يعاني المغرب من استمرار ظاهرة التسول وانتشارها في المدن، حيث تشهد المناطق الحضرية تنافسًا بين المتسولين على الأماكن الأكثر رواجًا، وقد تحولت هذه الأماكن إلى أصول تجارية للكثيرين منهم، حيث يحصلون على أموال لا يحصل عليها العمال البسطاء في مجالات مثل الحق والبناء والصناعة.
وعلى الرغم من تدخل القانون الجنائي المغربي لمعالجة هذه الظاهرة في الفصول من 326 إلى 333، إلا أنه يميز بين المتسولين والمتشردين، حيث يخص المتسولين بالفصول من 326 إلى 328، والمتشردين بالفصول من 329 إلى 333، ويفرض عقوبات إضافية على من يرتكبون الجرائم المعنية في الفصلين 331 و332.
ففيما يتعلق بجريمة
التسول، يعاقب المشرع في الفصل 326 كل من يمتلك وسائل للعيش أو يستطيع الحصول عليها بالعمل أو بوسائل شرعية، ومع ذلك يصر على ممارسة التسول، بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر. وفي الفصل 327، يشدد المشرع العقوبة حيث يرفعها إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة في حق كل متسول، حتى لو كان ذو عاهة أو معدوم، ولكنه يلجأ إلى التهديد أو التظاهر بالمرض، أو يستصحب طفلًا غير فرعه، أو يمارس التسول بشكل جماعي.
المجلس الإفتصادي يدعو لرفع الطابع الجرمي عن ظاهرة التسول
سلطت وثيقة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الضوء على أسباب انتشار ظاهرة التسول في المغرب، واكد المجلس من خلال وثيقته التقريرية دعوته لإلغاء تجريم هذه الظاهرة نتيجة لفشل المقاربة الزجرية في القضاء عليها، مع تأكيده على عدم نجاعة المقاربة الحكومية في محاربتها.
وقدم المجلس مجموعة من الاقتراحات في رأيه، والذي حصلت “فبراير” على نسخة منه، للتصدي لهذه الظاهرة والعمل نحو القضاء عليها في المجتمع المغربي، كما حث مجلس الشامي على ضرورة التوفيق بين احترام مقتضيات الدستور، خاصةً حقوق الأشخاص في وضعية التسول، واحترام النظام والأمن العام.
وأشار الرأي الصادر عن ذات المجلس إلى بحث وطني سابق عام 2007 يقدر عدد المتسولين بحوالي 200 ألف شخص، كما أمد غياب أي معطيات محينة بهذا الخصوص ودعى في نفس الوقت إلى ضرورة توفير معطيات إحصائية محدثة لمعالجة هذه الظاهرة بشكل أفضل، واعتبر المجلس أن التسول يعد ظاهرة اجتماعية معقدة ترتبط بعدة عوامل، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مما يدفع بالأفراد المعنيين نحو الهشاشة بدرجات متفاوتة، ويبرز تنوع “بروفايل” المتسولين.
الوضعية الاقتصادية والاجتماعية هي الدافع وراء التسول
أوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن عوامل تفاوت الوضعية الاجتماعية والاقتصادية تعد من أبرز الدوافع وراء انتشار ظاهرة التسول في المغرب، حيث يتضمن ذلك الفقر وصعوبة الحصول على فرص العمل والترمل خاصة بالنسبة للنساء، بالإضافة إلى الطلاق والتخلي الأسري وتدني المستوى التعليمي والتدريبي، وتراجع القيم العائلية والوضعية الصحية البدنية والعقلية، والإعاقة، إضافة إلى الاستعداد القبلي لدى المجتمع لتقديم المساعدة للمتسولين.
وأكد المجلس على أن المقاربة الحالية في مجال مكافحة التسول على المستوى الوطني لا تكفي، وأن البرامج الاجتماعية الحالية لا تحقق التوازن الكافي بين محاربة الفقر والهشاشة، مما يجعل الفئات المعوزة خارج نطاق تأثير هذه البرامج.
وأشار المجلس إلى أن هذه المقاربات كانت هي السبب المباشر في إنطلاق في إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية بتوجيهات الملكية.
أما على صعيد التكفل الاجتماعي، فقد أشار مجلس الشامي إلى أن الموارد البشرية والمادية المخصصة للمراكز الاجتماعية التابعة لمؤسسة التعاون الوطني، بالإضافة إلى خطة العمل الوطنية لحماية الأطفال من الاستغلال في التسول التي تم إطلاقها في عام 2019، ما زالت محدودة للغاية نظرًا لحجم الظاهرة، وذلك حسب التقديرات الواردة من الفاعلين المشاركين والذين تم الاستماع إليهم.
المجلس يقدم مقترحاته للقضاء على الظاهرة
ويرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في التقرير ذاته، أن الجهود الرامية للحد من ظاهرة التسول تتطلب تنفيذ إجراءات منسقة ومتكاملة، تهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين. الهدف الأول هو ضمان احترام حقوق الأشخاص الذين يمارسون مهنة التسول، وتأمين حياتهم الاقتصادية والاجتماعية دون أي تمييز أو تهميش، مع الحرص على استقرار النظام والأمن العام.
كما أكد المجلس على ضرورة تكريس الجهود للقضاء على تسول الأطفال وتعزيز آليات حمايتهم على المستوى المحلي والإقليمي، بما يشمل تشديد العقوبات على المستغلين والمتاجرين بالأطفال، ومن جهة ثانية، فقد أكد المجلس أن هذه العملية يجب أن تستهدف حماية الأشخاص المعرضين للتسول نتيجة لحالات الهشاشة الاجتماعية، وذلك من خلال تشديد العقوبات على المخالفين والمستغلين للمتسولين، خاصة من ضمن الفئات الهشة مثل النساء والمسنين وذوي الإعاقة.
كما شدد المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي على ضرورة أن تتضمن هذه الجهود أيضًا تعزيز التدابير الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين المتعرضين لممارسة التسول، سواء لأسباب اقتصادية أو بسبب انضمامهم إلى عصابات منظمة، بهدف تحسين وضعهم وإدماجهم في المجتمع بشكل أفضل.