يعد الحديث عن العلمانية في المغرب من المواضيع التي تحمل الكثير من الفوضى وسوء الفهم، حيث يسيطر عليها الطابع الإيديولوجي والسياسي بشكل أكبر من الطابع العلمي الموضوعي.
في المغرب، يتم التعامل مع العلمانية ليس كمطلب لضبط الحياة السياسية والمدنية، بل كخطاب مضاد للدين. في هذا السياق، يشير الباحث والمفكر المغربي محمد الكنبوري إلى أن العلمانيين في المغرب لا يتبعون المبادئ الأساسية التي نشأت عليها العلمانية في أوروبا، بل انحرفوا عن هذه الأصول لتقتصر مهامهم على محاربة الدين والتدين.
الكنبوري يوضح أن العلمانية في أوروبا، في بداياتها، كانت ردة فعل على التسلط الديني والكنسي، وتهدف إلى فصل الدين عن الدولة لضمان حرية التدين والمساواة بين الأفراد. وكان العلمانيون في أوروبا يهاجمون الهيمنة الدينية، خاصة من قبل الكنيسة الكاثوليكية. أما في المغرب، فإن العلمانية لم تظهر كحركة معارضة للتسلط السياسي أو الاجتماعي، بل ارتكزت على محاربة الإسلام والتدين في البلاد.
ويعزو الكنبوري هذا التوجه إلى تأثيرات السياق العالمي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث شهدت الكثير من الدول الغربية موجة من العداء ضد الإسلام والمسلمين، وهو ما أثر على الخطاب العلماني في المغرب وجعله جزءًا من هذا الاتجاه.
من هذا المنظور، يرى الكنبوري أن العلمانية في المغرب مرتبطة أكثر بتصفية الحسابات مع الدين، ولا تعكس المبادئ التي نشأت من أجلها في أوروبا، مثل ضمان حرية التدين والمساواة في الحقوق.
ويستعرض الكنبوري الفرق بين العلمانية في أوروبا والإسلام، مشيرًا إلى أن الإسلام قدم ضمانات لحريّة التدين منذ نزول الوحي. وفي المقابل، يرى أن العلمانية في أوروبا كانت تحتاج إلى إصلاح جذري للتخلص من الحروب الدينية والصراعات بين المذاهب المسيحية المختلفة.
في العالم الإسلامي، لم تكن هناك هذه الصراعات الدينية الحادة، بل كان الإسلام يضمن حقوق جميع الأديان، ويعترف باليهود والمسيحيين كأهل كتاب، مما يسهل التعايش المشترك.
الكنبوري يشدد أيضًا على أن العلمانية في أوروبا نشأت كنتيجة لتطورات دينية وصراعات بين الكنيسة والدولة، بينما في الإسلام لا يوجد فصل بين الدين والدولة، بل يتم تكامل كل من الديني والمدني في إطار واحد.
ويعتبر الكنبوري أن محاربة العلمانية في المغرب للإسلام هي محاربة غير مبررة، ويقول: “العلمانيون في المغرب يهاجمون الدين الإسلامي بشكل دائم، بل يطعنون في القرآن الكريم والسنة النبوية، في حين أن الدين يجب أن يبقى مجالًا خاصًا بعيدًا عن تدخلات السياسة.”
ويختتم الكنبوري حديثه بالقول إن العلمانية في المغرب لا يمكن أن تُستقى من التجارب الغربية، خاصة النموذج الفرنسي الذي يعارض الدين بشكل صريح. في رأيه، كان يمكن للمغاربة الاستفادة من النماذج العلمانية الأكثر توازناً، مثل النموذج الأمريكي أو البريطاني، التي لا تتدخل في شؤون الأديان. كما يسلط الضوء على تناقضات العلمانية الفرنسية، التي لا تطبق في جميع مناطق فرنسا، بل تطبق انتقائيًا في بعض المناطق مثل منطقة الألزاس.
في النهاية، يعتبر الكنبوري أن العلمانية في المغرب ليست فقط مشوهة، بل تُمثل أيضًا محاربة للدين بشكل غير مبرر، وهو ما يجعل هذا الخطاب العلماني بعيدًا عن فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع المغربي والإسلامي.