أكد أكاديميون وأساتذة جامعيون أن تنامي المعارضة الرقمية في المغرب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بات يعكس تراجع حضور المعارضة المؤسساتية داخل البرلمان وخارجه، في وقت أصبح فيه شباب ونشطاء المنصات الرقمية فاعلين جددا في المشهد السياسي والاجتماعي، يعبرون عن رفضهم للواقع، أحيانًا بخطابات تتجاوز الاحتجاج نحو العنف والكراهية.
جاء ذلك خلال ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، مساء السبت بسلا، تحت عنوان: “المعارضة الشعبية الرقمية: الفاعلون، المسارات والمآلات”، بمشاركة عدد من الباحثين المتخصصين في مجالات السوسيولوجيا والاتصال وتحليل الخطاب.
في هذا السياق، أوضح سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس، أن الفراغ الذي خلفه تراجع المعارضة داخل المؤسسات، أفسح المجال أمام معارضة افتراضية متعددة الأشكال، تتراوح بين حملات المقاطعة والتنسيقيات البيئية، وخطابات احتجاجية قوية على قضايا المعيشة والماء والسكن. واعتبر أن هذه المعارضة تتجاوز الحدود التقليدية، لكنها تبقى غير مؤطرة ولا تنتج مفاهيم سياسية واضحة، محذرًا من تصاعد نبرة العنف والكراهية داخلها.
من جانبها، دعت زهور كرام، أستاذة جامعية وناقدة، إلى ضرورة إدماج “الإنسانيات الرقمية” داخل مناهج التعليم الجامعي، معتبرة أن المفاهيم التقليدية مثل “النضال” لم تعد قادرة على تفسير الحراك الرقمي، الذي توسع مع انتشار الحرية على المنصات، رغم المخاوف من اختفاء الوساطة المؤسساتية وتزايد خطاب الرفض.
أما الخبير في الإعلام والتحول الرقمي محمد الخمسي، فقد شدد على أن المعارضة الرقمية ظاهرة عالمية، لكنها في دول المؤسسات القوية تجد احتواءً وتأطيرًا، بينما تتحول في دول أخرى إلى بديل عن الإعلام والمعارضة التقليدية. وأشار إلى أن تطور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ساهم في تعميق هذا التحول، محذرًا من الفجوة الرقمية بين الدول المنتجة للتكنولوجيا وتلك التي تستهلكها.
بدوره، اعتبر عبد الرحيم العطري، أستاذ علم الاجتماع، أن المغرب يعيش انتقالًا من معارضة تقليدية إلى “معارضة الشاشة”، مشيرًا إلى بروز ما سماه “الأعيان الرقميين”، الذين يستعملون “استراتيجيات الفضح” و”خطاب البكائيات”، لكنهم في بعض الأحيان يتبنون أطروحات تدميرية تهدد النقاش العمومي.
وفي مداخلة مصطفى الخلفي، الوزير السابق وأستاذ الإعلام، تم التمييز بين معارضة رقمية يمارسها الفاعل السياسي، وأخرى ينخرط فيها فاعلون غير سياسيين، بعضهم مجهولو الهوية. وأشار إلى أن هناك أكثر من 27 مليون صفحة فيسبوك في المغرب، ما يعزز من إمكانيات التعبئة الرقمية، لكنه شدد على أن المعارضة الرقمية لا يمكن أن تحل محل المعارضة المؤسساتية، رغم دورها الكبير في دعم حركات احتجاجية كإضرابات الأساتذة.
وحذر الخلفي من بروز معارضات مصطنعة يتم توليدها عبر الذكاء الاصطناعي لخدمة أجندات خفية، مشددًا على ضرورة التمييز بين المعارضة الحقيقية والمعارضة الرقمية المفبركة.
وتقاطعت المداخلات لتؤكد أن المغرب يعيش لحظة مفصلية في التعبير السياسي، تتطلب من المؤسسات الرسمية والبحثية فهم طبيعة التحول الرقمي الجديد، وإعادة بناء الوساطة السياسية، حتى لا تظل مواقع التواصل ملاذًا أوحدًا للتعبير، ومصدرًا محتملًا لخطابات تهدد التماسك المجتمعي.