يعاني المغرب من معدلات مرتفعة للاكتئاب، حيث تشير الإحصائيات إلى إصابة أكثر من 6,54% من السكان، ما يضعه ضمن الدول الأكثر تأثراً في إفريقيا، إلى جانب تونس التي تتصدر القائمة.
ويرتبط هذا الوضع بتحديات معيشية واجتماعية مثل البطالة، وتفاوت التنمية بين المدن والقرى، وضغوط الحياة اليومية، خصوصا على فئة الشباب, كما تسهم النظرة المجتمعية السلبية تجاه الصحة النفسية في عزوف كثيرين عن طلب العلاج المتخصص، مفضلين الاعتماد على الرعاية غير الرسمية أو التوجيه الديني.
وفي هذا الصدد أوضحت بشرى المرابطي أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي في تصريح خاص لموقع فبراير، أن نسبة 6.54% التي سجلها التقرير بخصوص الاكتئاب في المغرب تظل ضمن المعدلات العالمية، ولا تعد مرتفعة بشكل استثنائي، خاصة بالمقارنة مع تونس التي بلغت فيها النسبة 7%، وهي من بين الأعلى عالميا، إلى جانب الولايات المتحدة.
وأشارت المرابطي إلى أن هذه الأرقام تأتي في سياق دراسات تجرى بعد جائحة كورونا، وفي ظل أزمات متعددة مثل التغيرات المناخية، الجفاف، فقدان فرص الشغل، ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، وحتى غلاء المستلزمات الدراسية، كل هذه العوامل تشكل بيئة ضاغطة تسهم في تنامي مشاعر الإحباط، وقد تكون سببا في ارتفاع معدلات الاكتئاب.
وأضافت أن هذه المرحلة تعد حساسة نفسيا، ليس فقط في المغرب، بل في دول تعيش أوضاعا مشابهة.
ولفتت إلى أن مظاهر احتجاج فئة الشباب، خاصة من الجيل Z، تعكس حالة من الإحباط الاجتماعي، والتي قد لا ترقى إلى الاكتئاب في حد ذاتها، لكنها قد تتطور إليه، خاصة لدى الأفراد الأكثر هشاشة نفسيا، إذ إن الإحباط، بحسب قولها، يزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب أكثر من القلق.
وتحدثت بشرى عن أبرز التحديات التي يواجهها الأطباء النفسيون في المغرب عند التعامل مع مرضى الاكتئاب، مشيرة إلى النقص الحاد في عدد الأطباء المختصين في الصحة النفسية، بالإضافة إلى التوزيع غير المتوازن لهؤلاء الأطباء، حيث يتركز معظمهم في المراكز الاستشفائية الجامعية، وأحيانا في بعض المستشفيات الإقليمية.
هذا التمركز يخلق فجوة كبيرة، خاصة أن المراكز الصحية القريبة من السكان، مثل المستوصفات، غالبا ما تفتقر إلى خدمات الطب النفسي، في حين أن مرضى الاكتئاب يعانون من ضعف في القدرة على التنقل وبذل الجهد، نظرا لطبيعة المرض الذي يتمثل في ثلاثية فقدان الطاقة، انعدام الرغبة، وانعدام المتعة.
كل هذا يجعل من الصعب على المريض أن يسافر مسافات طويلة للحصول على العلاج، ومن هنا تؤكد بشرى على أهمية توفير خدمات الصحة النفسية على مستوى المستوصفات المحلية، لتكون في متناول المرضى دون الحاجة إلى التنقل البعيد.
كما أشارت إلى مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي صعوبة الحصول على الأدوية، خصوصا في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي لكثير من الأسر.
فهناك حاجة ماسة لتوفير الأدوية النفسية بشكل مجاني، خاصة أن الكثير من الأسر لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج، في حين أن نسب الإصابة بالاكتئاب لا تظهر بشكل دقيق على المستوى المحلي، لأن الإحصاءات المتوفرة تقتصر على المستوى الوطني العام.