يا لها من مفارقة موجعة تدمي القلب وتستفز الوجدان! في تلك البقعة الساحرة من أرض الوطن، حيث تُعانق أمواج المحيط الأطلسي عراقة التاريخ، وتستريح ذاكرة المقاومة على شواطئ مدينة سيدي إفني، اختتم المنتدى الدولي للشباب فعالياته. لم يكن هذا اللقاء مجرد تجمع عابر؛ بل كان لقاءً تحت شعار نبيل يحمل ثقلاً رمزياً يلامس أقدس الذكريات الوطنية: “شباب العالم في حضرة المسيرة الخضراء”.
توافد على المدينة ضيوف كرام، قامات شابة من فلسطين الأبية، ومصر العروبة، وتشاد، واليمن السعيد، والعراق الأصيل، كل واحد منهم يحمل في حقائبه أماله العريضة ورغبته الصادقة في بناء جسور التلاقي الحضاري. جاءوا ليصنعوا فسيفساء كونية، داعين إلى توحيد الرؤى وتفعيل الطاقات الشبابية الكامنة في هذه الأمة. كان المشهد مهيباً؛ احتفاءٌ بالأمل وتأكيد على الوحدة، في ظل رمزية وطنية خالدة.
الرمزية المقدسة والإهانة المُذلّة
ولكن، هنا يكمن الخنجر الذي يطعن في صميم الاحتفال. هل يليق بهذا الفكر السامي، وهذا الحضور الشبابي الوازن، أن يُحتَضَن في صرح يحمل اسم “قاعة المسيرة الخضراء”، وهو في حقيقته ليس إلا شاهداً صامتاً، بل ومُدَوّياً، على الإهمال المُذلّ والتردي الذي يبعث على الخجل؟
إنها ليست صرخة مبالغة نابعة من عاطفة متشنجة، بل هو دقٌّ قاسٍ على ناقوس الخجل والضمير المسؤول. أي إهانة نلحقها بذاكرة أمة، وأي رسالة نبعثها لأجيالنا القادمة ولضيوفنا من أصقاع العالم، حينما نترك قاعة تحمل هذا الاسم الأقدس، الذي تفضّل جلالة الملك محمد السادس بإطلاقه عليها تقديراً لتلك الملحمة، لتغرق في مستنقع النسيان والتردي، وكأنها جسدٌ أُلقي به في ردهات الإهمال!
التفاصيل التي تروي قصة العار
لنتوقف قليلاً عند التفاصيل التي لا تغتفر؛ فـ”قاعة المسيرة الخضراء” اليوم ليست مجرد فضاء باهت، بل هي مسرح يتجسد عليه العار بجميع تفاصيله المزرية. هل يستطيع ضمير مسؤول، يتشبع بروح الوطنية، أن يتقبّل أن يشم ضيوف المغرب رائحة العفن والرطوبة التي تزكم الأنوف بدل رائحة الود وحفاوة الاستقبال؟
هل يمكن أن تطأ أقدامهم أرضاً في خصام دائم مع النظافة، حيث البقع والجروح تشوّه الارض ؟ إن اللوحة التذكارية التي كان يجب أن تكون واجهة مشرقة تُحيي الذاكرة الوطنية، بالكاد تُقرأ، وقد نالت منها الرطوبة والإهمال ما نال. أما المرافق الصحية، وهي مقياس حضارة أي مكان، فهي في حالة مزرية لا تُطاق، تُنذر بالروائح الكريهة وتُهين كرامة مستعمليها.
انظر إلى الستائر الممزقة؛ إنها لا تحجب نور الشمس فحسب، بل تحجب معها بصيص الأمل في الإصلاح، تبدو كأنها جرح قديم لم يُداوَ، غرزته يد النسيان في جسد الرمز. أما النوافذ، فحدّث ولا حرج، تقف على وشك السقوط، وكأنها تستجدي من يثبتها قبل أن تسقط لتسحب معها ما تبقى من هيبة المكان.
مقارنة موجعة وكرامة مهدورة
الأكثر إيلاماً هو مقارنة هذا الوضع المخجل بالمدن المجاورة. أليس عاراً علينا أن نرى منطقة صغيرة كـ ميراللفت، بتواضعها، تتوفر على قاعة اجتماعات حديثة تُشرّفها وتُشرّف ضيوفها، بينما سيدي إفني، بتاريخها العريق وصيتها الذي يتجاوز حدود الوطن، تتنازل عن كرامة الاستقبال وتُقدّم هذا النموذج البائس كواجهة لها؟ هذا التنازل ليس عن جدران أو مقاعد، بل هو تنازل عن جزء من كرامة الوطن المرتبطة بذاكرة المسيرة الخالدة.
إن قاعة “المسيرة الخضراء” ليست مجرد جدران وأسقف، ولا هي مجرد نقطة في جدول أعمال الميزانيات؛ إنها رمز وطني بامتياز، وشاهد على ملحمة سلمية غيّرت مجرى التاريخ. هذا الرمز لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة تتطلب سنوات من الإجراءات البيروقراطية، بل يحتاج في المقام الأول إلى “استفاقة ضمير” يدرك أن صيانة الرموز هي صيانة لكرامة الأمة ولرسالتها الحضارية أمام العالم.
الرمز ينتظر من يمنحه قُبلة الحياة بالإصلاح السريع واللائق، لا رصاصة الإهمال التي تودي به إلى عالم النسيان.
فهل من مستجيب لهذه الصرخة؟ هل من ضمير يرتعد خجلاً وينهض عملاً قبل أن يخبو هذا الرمز العظيم، ويندثر اسمه تحت وطأة النسيان والتردي، ونتحول جميعاً إلى شهود على جريمة الإهمال في حق ذاكرتنا الوطنية؟