الرئيسية / أقلام الحقيقة / سينما فوكس: حارسة المدينة والذاكرة

سينما فوكس: حارسة المدينة والذاكرة

سينما فوكس- عبد العتاق فكير
أقلام الحقيقة
عبد العتاق فكير 09 يناير 2026 - 21:30
A+ / A-

كانت سينما فوكس بناءً شامخاً يحرس مداخل المدينة الجديدة، ويقف كأول مستقبل لنا نحن المتسللون من دروب المدينة القديمة. فالحي الذي صرخت فيه صرخة الميلاد، وإن كان يوجد خارج السور، كان يعد امتداداً طبيعياً للمدينة القديمة، وكان ذلك عنوان فخر وهويّة لأبناء جيلي قبل أن تجرف المكان أوبئة البداوة والانحراف للأسف. فضلاً عن أن اسمه “درب الإنجليز” كان يوحي لنا بالتميز وبصفة “أولاد البلاد”، رغم أن الأيام لم تنصف أغلب حاملي هذا النعت المزهوين به.

نقطة التقاء العالمين

كانت سينما فوكس نقطة التقاء عالمين؛ ففي واجهتها الأمامية توجد قاعتها الفخمة بحيطانها الزجاجية وكراسيها الحمراء المريحة لدرجة التنويم، وبعاملاتها ذوات السحنات الأوروبية. ولا زلت أتذكر تلك السلال الجميلة التي كن يحملنها في أوقات الاستراحة ما بين العرضين، والتي كانت تضم كل ما يمكن لصبي مثلي أن يشتهيه حينها من شوكولاتة وحلويات.

وقد تمتعت في مناسبات معدودة بهذا العالم البلوري عندما كان والدي رحمه الله يأخذني معه لاستراحته الأسبوعية المقدسة أمام الشاشة الفضية، والتي كان يفضل الاعتكاف فيها وحيداً بعيداً عن هموم الدنيا ومشاغلها ولو للحظات. أليس من يحب الحياة يذهب إلى السينما كما يقول المثل الذي كان معلقاً في كل القاعات: “Qui aime la vie va au cinéma”.

الطابق العلوي والسر الخلفي

وكانت هذه القاعة الحمراء لها طابق علوي بنفس المواصفات، والعجيب أنه في الجهة الخلفية للبناء كانت توجد وصفة لا يعرفها إلا الراسخون في متاهات المدينة، تمكن الراغبين من دخول سينما فوكس مقابل ثمن زهيد بشرط تحمل انحدار طابق فوق علوي كنا نسميه “لا شافية”. وبالنسبة للأكثر جرأة، فدخول “لا شافية” ما هو إلا وسيلة للتسلل ما بين العرضين إلى القاعة الموعودة من خلال أبواب الإغاثة التي كانت تفتح.

ذكرى “طارد الأرواح”

أذكر أن آخر مرة تجرأت عليها في “لا شافية” كانت لمشاهدة فيلم (L’Exorciste) الذي أسكن الرعب حينها في المغاربة رواد القاعات، بل وأجزم أن سيارات الإسعاف كانت تقف أمام تلك القاعات لإسعاف من أصابهم الفزع والهلع، خاصة وأن ما كان شائعاً حينها هو كون مشاهد الفيلم حقيقية ومسجلة. وتخيلوا معي طفلاً صغيراً مع صديقه الشجاع في “لا شافية” لمشاهدة فيلم تكفي أصواته لخلق كوابيس لشعب بأكمله. ولا أخفيكم بأنني أجهل نهاية ذلك الفيلم لأنني سابقت صديقي للهرب معترفين لبعضنا بالجبن للنجاة.

اليوم والحنين

واليوم عندما أمر من المكان الذي كانت توجد به سينما فوكس، والذي تحول إلى ساحة خضراء، أردد مقولة بأن: “من يحب الحياة يذهب إلى السينما”.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة