دق محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ناقوس الخطر بشأن الوضعية الحرجة التي باتت تعيشها محكمة النقض، في ظل الارتفاع غير المسبوق في عدد الطعون المعروضة عليها، محذرا من أن استمرار هذا المنحى يهدد جودة المقررات القضائية واستقرار الاجتهاد القضائي.
وأوضح عبد النباوي، في كلمته بمناسبة افتتاح السنة القضائية 2026، أن محكمة النقض “تجد نفسها مجددا في حالة استغاثة” بسبب ما وصفه بـ“سيل الطعون غير المنتجة”، معتبرا أن تسجيل أزيد من خمسين ألف طعن سنويا رقم غير معقول، خاصة إذا ما قورن بمحاكم نقض بدول يفوق عدد سكانها عدد سكان المغرب، ومع ذلك تسجل أعدادا أقل بكثير.
وأكد المسؤول القضائي أن محكمة النقض ليست درجة ثالثة من درجات التقاضي، بل هي مؤسسة عليا أوكل لها الدستور مهمة توحيد الاجتهاد القضائي وضمان الأمن القانوني، وهو ما يقتضي، بحسبه، وضع معايير وضوابط أكثر صرامة للطعون بالنقض، تجنبا لإغراقها بملفات لا تضيف قيمة قانونية حقيقية.
وكشف عبد النباوي بالأرقام أن محكمة النقض سجلت خلال السنة المنصرمة 60 ألفا و35 طعنا جديدا، أضيفت إلى أكثر من 46 ألف ملف متخلف عن سنة 2024، ما رفع مجموع القضايا الرائجة إلى أزيد من 106 آلاف ملف. وأوضح أن نسبة الطعون التي انتهت بالنقض لم تتجاوز 21,71 في المائة، في حين تم رفض أو عدم قبول نحو 78 في المائة من الطعون، من بينها حوالي 25 في المائة لعيوب شكلية.
ورغم المجهودات الكبيرة التي بذلها قضاة محكمة النقض، حيث بلغ متوسط الإنتاج الفردي لكل مستشار حوالي 270 قرارا، فإن الرصيد المتبقي دون حكم بلغ أزيد من 52 ألف قضية، وهو ما يشكل عبئا ثقيلا تنطلق به السنة القضائية الجديدة، ويكرس، بحسب عبد النباوي، اختلالا بنيويا في تدبير مسطرة الطعن بالنقض.
وفي مقابل ذلك، أبرز الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن محاكم الموضوع واصلت أداءها القوي خلال سنة 2025، بعدما عالجت ملايين القضايا الجديدة، مسجلا في الآن ذاته تطورا في الموارد البشرية عبر تعيين 300 قاض جديد، بينهم 106 قاضيات، ما رفع عدد القضاة إلى أزيد من خمسة آلاف قاض، بنسبة نسائية تناهز 28 في المائة.
وتطرق عبد النباوي أيضا إلى عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية في مجال التأديب والتخليق، مشيرا إلى البت في عشرات الملفات التأديبية، واتخاذ عقوبات متفاوتة في حق عدد من القضاة، في إطار الحرص على تعزيز النزاهة واستقلال السلطة القضائية.
وختم كلمته بالتأكيد على أن إصلاح مسطرة الطعن بالنقض لم يعد ترفا تشريعيا، بل ضرورة ملحة لحماية جودة العدالة وضمان استقرار الاجتهاد القضائي، موجها نداء صريحا إلى المشرّع والفاعلين القانونيين وهيئات الدفاع، من أجل تحمل مسؤوليتهم المشتركة في صيانة وظيفة محكمة النقض ودورها الدستوري.