من يحمي منظومتنا التربوية من الإرهاب؟

  • أحمد عصيد
  • كتب يوم السبت 04 فبراير 2017 م على الساعة 10:14
معلومات عن الصورة : أحمد عصيد

أصبح ظاهرا للعيان إصرار التيار الإسلامي المتشدّد على الاستمرار في محاولة اختراق البرامج التعليمية والتربوية لتمرير توجهاته الفكرية التي تتعارض تعارضا تاما مع التزامات الدولة المغربية في السياق الراهن. والحقيقة أن ما يجري ليس في حقيقته إلا نتاج مراكمة الكثير من الأخطاء في حق المدرسة المغربية على مدى عقود خلت.
لقد قامت السلطة في سياق دقيق بالاستعانة بهذا التيار منذ الثمانينات من القرن الماضي لمواجهة المعارضة اليسارية والليبرالية والفكر النقدي عموما، وهو ما تمثل في إغلاق شعبة الفلسفة والسوسيولوجيا وتهميش المفكرين والمبدعين الحداثيين، وفتح شعبة « الدراسات الإسلامية » في جميع الكليات الجديدة بمختلف مناطق المغرب، ومعها فتح أبواب المغرب أمام الشخصيات المشرقية الإخوانية والوهابية لتغزو وسائل الإعلام والفضاءات التعليمية. لكن إذا كان الأمر كذلك في العقود السابقة الفاصلة بين 1979 و2003، فإنّ السلطة في السياق الراهن تبدو كما لو أنها غيرت تاكتيكها تماما بعد تزايد أعداد المتشدّدين في الجامعة ومختلف مرافق الدولة، مما أفضى إلى تغذية الإيديولوجيات الإرهابية مع التطور المتسارع لوسائل الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعية وتصاعد خطر الإرهاب الدولي، ما أصبح يشكل تهديدا لا جدال فيه لاستقرار الدولة المغربية نفسها.
ولأن مادة « التربية الإسلامية » تشكل المجال الأمثل لاختراق التيار المتشدّد للنظام التربوي المغربي، ومن خلاله ضبط المجتمع والتحكم في الذهنية العامة، فقد تنبهت السلطة بعد سنوات من دق ناقوس الخطر من طرف الحقوقيين والتنظيمات المدنية النسائية وغيرها، إلى أهمية مراجعة مقررات وبرامج هذه المادة التي نجح المتشدّدون خلال العقود المنصرمة في تسريب العديد من مبادئهم إليها رغم منافاتها لفلسفة المدرسة الحديثة ومرتكزاتها. ورغم القرار الملكي الذي أكد على ضرورة المراجعة وتطهير مقررات وبرامج هذه المادة من الأفكار المحرّضة على الكراهية والعنف، إلا أن المراجعة التي تمت على عجل لم تخلُ من تحايلات على قرار الدولة، ومن محاولات للالتفاف عليه عبر الاستمرار في تكريس التوجهات المتشدّدة نفسها مع بعض التنازلات الطفيفة، علاوة على أن التطرف الديني لم يعد مقتصرا على مادة التربية الإسلامية، حيث أدى تغليب الطابع الديني على النظام التربوي في المراحل السابقة إلى تكوين أطر حاملة لهذا التوجه المتشدّد في كل التخصصات بما فيها العلمية وكذا تدريس اللغات، ما ساهم بشكل خطير في تراجع مخيف لجودة المضامين ومناهج التكوين داخل الممارسة الفصلية، رغم الجهود التي تبذلها الوزارة من الناحية النظرية من أجل المراجعة والتأهيل.
يفسر هذا ما حدث بمدينة « تزنيت » قبل أيام، حيث تمّ تسريب نص إلى التلاميذ يعمل على التطبيع مع مشاهد العنف والتطرف، وذلك عبر سؤال يتعلق بمادة اللغة العربية في الامتحان الموحّد لدورة 2017، طلب فيه من التلاميذ قراءة نص يصف فظاعات الحرب بسوريا ويتحدث عن أشلاء الأجساد تحت الأنقاض والمشاهد المرعبة للحرب وفق رواية تتحيز للمقاتلين الإسلاميين ضدّ النظام السوري، ومن الجلي أن النص المذكور من الناحية التربوية لا يليق بامتحان موجّه لتلاميذ المدارس، إلا إذا كان واضعوه يهدفون إلى شيء آخر غير التكوين في اللغة العربية، وهي ترويج رواية التيار الإسلامي المتطرف لما يحدث بسوريا، هذا التيار الذي يتواجد جزء منه داخل الحكومة والبرلمان (والذي يتعرض بعض أعضائه حاليا للمساءلة بسبب تنويههم الحماسي بأعمال إرهابية خطيرة) كما يتواجد جزء آخر منه خارج المؤسسات، غير أن موقفه على العموم يظلّ بعيدا عن موقف الدولة الرسمي وكذا عن مواقف القوى الديمقراطية الوطنية التي تتبنى رؤية متوازنة ونقدية تجاه جميع الأطراف المتناحرة في سوريا والعراق وغيرها من البلدان المضطربة، وتقدم هذا التطاحن العبثي دليلا لا غبار عليه على ضرورة الديمقراطية، وفصل الدين عن الصراعات السياسية والطائفية، والاحتكام إلى قوانين محايدة تحمي جميع المواطنين على قدم المساواة بغض النظر عن معتقدهم أو عرقهم أو نسبهم أو لونهم ولغتهم.
لقد حاول تيار التطرف الديني الترويج لأطروحته حول سوريا والتي تغذيها أنظمة عشائرية مثل قطر والسعودية عبر قنوات كثيرة، لكنه ظل عاجزا عن استغلال القنوات الرسمية للدولة ووسائل إعلامها ومدارسها من أجل ذلك، فبعد أن تم تسخير من سموا بـ »علماء الأمة » (الذين هم في الحقيقة منظرو الإسلام السياسي من أتباع الأنظمة الخليجية المذكورة)، للمناداة بـ »النفير » وبـ »الجهاد » في سوريا، رأينا أحد الحاصلين على تزكية حزب « العدالة والتنمية » لخوض الانتخابات الأخيرة يدعو رئيس الحكومة في رسالة مفتوحة إلى الاستجابة لنداء « علماء الأمة » والانخراط رسميا في « الجهاد » المذكور، ورأينا بعد ذلك كيف قام رئيس الحكومة نفسه بالتعبير عن موقف مؤازر للجماعات المقاتلة في سوريا ضدّ روسيا حليف النظام السوري، والتي هي جماعات منتسبة إلى الإسلام السياسي الجهادي، وتهدف إلى إقامة دولة دينية في سوريا، ورأينا كيف قام النظام المغربي بالتعقيب فورا على موقف رئيس الحكومة من خلال وزير الخارجية الذي وجّه انتقادات مُهينة لرئيس الحكومة الذي من المفروض أنه رئيسه.
كل هذه الوقائع تسمح بتفسير واقعة تقديم سؤال تحت غطاء الامتحان الموحّد في اللغة العربية بتزنيت، والذي يؤكد على أن تيار التطرف الديني لا يمكن أن يتقاعس عن السعي الحثيث إلى البحث بشتى الوسائل عن اختراق النظام التربوي المغربي وبث أفكار ونزوعات التطرف فيه، وكذا وسائل الإعلام الرسمية منها والخاصة، والمطلوب اليوم في هذا الظرف الصعب أن يتحلى المغاربة باليقظة والحذر، وبالقدرة على استباق الكثير من الأخطار المحدقة ببلادنا، والتي تهدف إلى نقل واقع الانهيار التام للدولة في بعض بلدان المشرق إلى المغرب.
إن الشجاعة والوضوح هو ما ينقص الدولة المغربية في المجال التربوي، وإن الغموض والالتباس هو ما تقتات منه التيارات المهدّدة للمكتسبات الديمقراطية الهشة، وأعتقد أنه من بين أهم الآليات الاحترازية الضرورية أن تعمل وزارة التربية الوطنية ـ إلى جانب حسم الدولة في اختياراتها بوضوح وشجاعة ومتابعة إصلاح المنظومة التربوية وإرسائها على أسس بيداغوجية حديثة ـ أن تعمل على تشديد الرقابة ضدّ تيار التطرف الديني سواء داخل لجان التأليف المدرسي أو لجان الامتحانات، والبتّ في مضامين النصوص وتفاصيل الأسئلة، على ضوء معايير بيداغوجية وقيمية واضحة، من أجل قطع الطريق على سلوكات ومواقف لا تحمل أي همّ تربوي، بقدر ما تسعى إلى توظيف المدرسة المغربية لأغراض غير شريفة.

loading...
loading...

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة