الرئيسية / نبض المجتمع / ليلة مع المهاجرين الأفارقة.. هكذا مرت رحلة الموت نحو "الفردوس"

ليلة مع المهاجرين الأفارقة.. هكذا مرت رحلة الموت نحو "الفردوس"

مهاجرون أفارقة
نبض المجتمع
أشرف القرشي 28 نوفمبر 2017 - 15:49
A+ / A-

إنهم خلاَّن الموت من جنوب الصحراء، هم شباب في مستهل حياتهم، دفعتهم أسباب الفقر والتهميش للفرار من بلدانهم صوب ملاذ “سمعوا” أنه يطعم أمثالهم من الجوع الذي رأب بطونهم، فبات يعرف بينهم باسم “الفردوس الأوروبي”.

اختار هؤلاء الشباب أن ينساقوا خلف حلمهم ويباشروا رحلة نحو هذا “الفردوس”، غير مدركين كم المخاطر التي ستصادفهم أثناء رحلتهم تلك أو بالأحرى غير مهتمين بها، فبالنسبة لهم الأرواح توهب عن طواعية في سبيل بلوغ هذه الجنان.

عزموا وشدوا الرحال، ولقوا ما لقوه من هول واختطاف واستعباد ثم اضطهاد فتشرد وعنصرية في سبيلهم نحو الملاذ المنشود، وما إن وصلوا إلى باب العبور بالمغرب حتى ارتطم حلمهم في بلوغ أوروبا بسياج حديدي منصوب على طول الحدود المغربية الإسبانية، فقرروا المكوث هنا بالمغرب يتحينون الفرص دون كلل أو ملل لبلوغ مرادهم.

اخترنا أن نقضي ليلة بيضاء رفقة هؤلاء الشباب في أحد مخابئهم بمدينة الدار البيضاء، لتسليط حزمة ضوء على شهادات حية تبرز أشد محطات رحلتهم إثارة للفزع، وتنقل حجم المعاناة التي عاشوها..

عقارب الساعة تعلن انتصاف الليل، والبرد القارس يلفح الوجوه ويجمد الأطراف، والحركة بالمدينة شبه منعدمة والشوارع فارغة تقريبا، توجهنا إلى مكان تجمع المهاجرين، لمحنا عن بعد التئامهم حول نار أوقدوها ليدفئوا من الصقيع اللاسع فتبددت بها ظلمة المكان، اقتربنا بحذر تام إلى أن رقبتنا أعينهم التي لم تخفي الخوف، ألقينا عليهم السلام فردوه بصوت خافت يعكس عدم اطمئنانهم لنا، وباشروا الكلام بينهم بلهجة لا نفهمها وتقاسيم وجوههم تظهر قلقهم الذي سرعان ما انطفأ بعدما شرحنا سبب تواجدنا بينهم.

استيقظ النائمون منهم، واقترب من كان بالجوار، وسرعان ما وجدنا أنفسنا محاطين بالعشرات منهم، و ما إن سمعونا نردد جملة “نحن هنا لننقل المعاناة التي عشتموها في رحلتكم إلى الناس”، حتى باشر كل واحد منهم في سرد الوقائع دون أن يمهلونا حتى ثواني لتشغيل جهاز التسجيل الصوتي.

مشاهد من بداية رحلة .. فراق الأم كان الأصعب.

استرسل المهاجرون في سرد أحداث الرحلة المرعبة، في البداية وصفوا بدقة مشهد وداع عائلاتهم الملقح بالدموع، وبأصوات متفرقة ونبرات مختلفة وصلت إلى مسامعنا مجموعة من الجمل في آن واحد تلخص معنى واحدا ألا وهو .. نحن هنا لإنقاذ عائلاتنا من الجوع.

يقول “مامادو”.. نحن في غينيا ومعظم دول جنوب الصحراء نعيش في عائلات كبيرة، البيت الواحد قد يضم أكثر من 30 فردا يعيلهم فرد واحد أو اثنان، وفي أحسن الحالات يكون المعيل مهاجرا للعمل في أوروبا فيضمن لعائلته العيش الكريم، لذلك نهاجر نحن الشباب صوب أوروبا، ونعلم أننا سنلاقي الجحيم أثناء الرحلة لكن إن كان هذا سيضمن لعائلتي العيش الكريم فلا بأس.

بعينين مغرورقتين بالدموع يقاطع “حسانا” كلام “مامادو” قائلا.. لا أزال أشعر بحرارة العناق مع والدتي وأنا حامل أمتعتي لأهاجر هل تعلم يا أخي ذلك هو أقسى جزء في رحلتي بالنسبة لي، أذكر أن أبي خرج من البيت يومها باكرا حتى لا يراني أغادر، الكل كان ينظر إلي بأمل، كلهم عقدوا عزمهم علي لأرفع من مستواهم المعيشي.

الخطوة الأولى في رحلة الموت .. تكسير ضلوع غير المسلمين.

تتساقط الحكايات منهم كحبات مسبحة ومعها يتسرب الوقت في هذا الليل البهيم، نتمسح براحة أيدينا لهيب النار، هنا حيث لا وجود لمشروب ساخن يخفف الصقيع الذي يشتد قسوة كلما مرت الدقائق، بدأ عدد من المهاجرين في الانسحاب والابتعاد عن المجمع، في حين التف من اختار البقاء في أغطية بالية تخلص منها أصحابها برميها في القمامة فأخذوها هم لتنعمهم بقسط ضئيل من الدفئ، في أوج هذا المشهد أتفاجئ بسؤال أحدهم وهو يقول.. هل تريد غطاء يا أخي؟ ولم ينتظر إجابتي ليقرر رميه فوق كتفاي.

باشرت بسؤال أحدهم عن بداية الرحلة وكيف يتم تنظيمها ؟ سبقت إجابته ابتسامة خفيفة واسترسل في شرح أن الهجرة من البلدان الإفريقية إلى حدود جنوب مالي سهلة جدا ولا معيقات فيها لذلك يقومون بها بشكل فردي، لكن وبمجرد الوصول إلى ضواحي العاصمة المالية باماكو تتجمع حشود المهاجرين ليواصلوا السير في مجموعات نحو الشمال، وذلك نوع من الحماية من الميليشيات المسلحة التي قد تتعرض طريقهم في شمال مالي حيث الحرب الأهلية مندلعة.

وفي خضم الحديث يتدخل “صامويل” وهو مهاجر كاميروني مسيحي ليسرب خيوطا أخرى من ثوب الحكاية، ويكشف عن مضايقات ألمت به هو ومن على دينه عند أول موطأ قدم لهم في دولة مالي، فقال.. أما أنا وباقي المسيحيين فقد بدأت معاناتنا منذ أن وصلنا لمالي، فجنود الحدود المالية الغينية كسروا ضلوع صديقي بعد أن علموا أنه مسيحي، وأنا نفسي لم أستطع الرد على استهزاء الجنود بي خوفا من أن ألقى نفس المصير.

أسوأ جزء في الرحلة، الوقوع في قبضة “بوكو حرام”.

لا زالت أصواتهم المبحوحة التي نال منها التعب تسرد كواليس الرحلة، عاد المنسحبون وفي يد أحدهم علبتان من الحليب وكسرات من الخبز الحاف، وباشر بالتحدث إلى البقية بلكنتهم الإفريقية، حتى أن سألني أحدهم هل تشعر بالجوع؟ لقد جلب صديقنا بعض الخبز والحليب، فقلت كلا استريحوا قليلا لنكمل الحديث، ولم يمهلني فضولي أزيد من ثواني معدودات لأعرف ماذا حصل في شمال مالي، فسألت مجددا ماذا بعد التجمع في باماكو؟

أجابني “صامويل” نفسه بعد أن وضع كسرة الخبز من يده بصوت حاد يعكس غضبه الداخلي قائلا.. هناك في الشمال الشرقي لمالي وتحديدا في بلدة تدعى “غاوو” حاصرتنا ميليشيات “بوكو حرام”، قتلوا العديد من المسيحين، ولو أنني جهرت بديني لكنت الآن في عداد الموتى، كانوا يبيعوننا في أسواق للنخاسة، كنا نتعرض للضرب والإهانة طوال اليوم، كانت فترة مأساوية للغاية.

وقاطع “حاسانا” الكلام في منتصفه فقال، أنا شاهدت بأم عيني رفقائي يرمون بالرصاص، كان المشهد مروعا، لم يقو أحد منا على الهرب أو التمرد عليهم، كنا عبيدا نباع بأثمان بخسة على مدى شهرين، حتى ظننت أنها نهاية الرحلة، هل تعلم ماذا كنا نطعم هناك ؟ كانت الوجبة الوحيدة التي نحظى بها هي بعض السميد الممزوج بالماء وكان يقدم لنا في قنينات بلاستيكية، هناك منا من مات من شدة التعب والجوع.
وسط هذا الجحيم المحكم قبضاته سيتمكن بعض المهاجرين من الفرار والبقاء على قيد الحياة، يقول “حاسانا” وهو يطلق نفسا عميقا وكأنه تحرر لتوه من الأسر.. أغلبنا قايضنا أنفسنا بفديات أرسلها أهالينا للمليشيات، وهناك من نال رحمتهم فحرروه من دون مقابل، والذي يعجز عن العمل أو لا يشتريه أحد إما أن يحرر أو يقتل، وفي هذه اللحظة التي نحدثك فيها لاتزال العشرات من رفاقنا في قبضتهم ينتظرون مصيرهم.
الوصول للجزائر، الجنة ليست بعد التخلص من أسر “بوكو حرام”.
الفجر يقترب وحرارة الكلام تزداد، وصبيب المشاعر ينهمر مع كل كلمة يقولها هؤلاء، إنهم يوقنون عن طيب خاطر أن حلم العبور يستحق كل هذا العناء، عناء لم يتبدد بمجرد النجاة من أسر المليشيات المالية، فالأحوال بعد تجاوزهم لاتزال سيئة.
يقول “أبدولاي” وهو مهاجر غيني، لقد أخلت المليشيات سبيلنا ووضعتنا في عقر الصحراء بدون أكل أو ماء بعدما سلبونا كل ما نملك، فوجدنا أنفسنا أمام تحد آخر نحارب فيه الطبيعة، كنا نسير باتجاه الحدود المالية الجزائرية على أقدامنا، لقد مات منا الكثيرون إما بفعل العطش أو التعب، وعندما يموت أحدنا في الصحراء كنا نتركه ونواصل السير، ثم صمت وهو يغالب دموعه.
بعد هنيهات من الصمت، تابع أحد المهاجرين الحديث قائلا.. سرنا حوالي 300 أو 400 كيلومتر في الصحراء، كنا نجد صعوبات لتحديد اتجاه سيرنا، كنا نروي ظمأنا من برك موحلة، أو نرتشف من قنينات ماء احتفظ بها بعضنا، وصلنا بعد 4 أيام من السير إلى منطقة حدودية جزائرية تدعى “تينزواتين”.
التقط المتحدث ذاته أنفاسه، وواصل السرد، فقال.. أحسسنا بالقليل من الأمان بعد أن ولجنا للأراضي الجزائرية، كنا نحس بأن الحلم يقترب شيئا فشيئا، وأن بقاءنا على قيد الحياة هو مؤشر رباني على أننا سنبلغ المراد، توجهنا إلى الحدود الجزائرية المغربية وتحديدا مدينة تسمى “مغنية”، وبدأنا في البحث عن عمل نقوم به لنجني بعض المال ونتحين الفرص لعبور الحدود صوب المغرب، كنا نعمل في البناء ومخازن البضائع غالبا، لكننا كنا نعاني من العنصرية الشديدة، كنا نلعن ونشتم بأقبح الصفات، كنا نتعرض للضرب أحيانا من قبل مشغلينا، وأحيانا كنا نتهم بالسرقة، لقد تم ترحيل العديد منا وأعيدوا إلى الديار.
المحطة الأخيرة وصعوبة الاندماج .. نعتذر للمغاربة.
هنا المغرب، آخر محطة في رحلة الموت، خيوط الفجر بدأت تتسرب لتعلن حلوله، ولايزال المجمع ملتئما، وتقاسيم الوجوه ونبرات الصوت تعلن أن التعب نال من الجميع، خفت وتيرة السرد، وكأنهم يقولون في قرارة أنفسهم أنت تعلم الباقي الآن فلا داعي للمزيد من الأسئلة، غير أنني واصلت طرح الأسئلة وواصلوا هم الإجابة عنها.
“أبدولاي” دائما يروي كيفية العبور من الجزائر صوب المغرب، فقال.. تجاوزنا الحدود الجزائرية وعلقنا في منطقة دولية بين البلدين، نتحين الفرص لنتسلل إلى الأراضي المغربية، نفس الصعوبات تتكرر من مركز حدودي إلى آخر، فينجح المحظوظ منا في عبور الحدود ويُرحَّل ذو الحظ العثر ويبقى فوج آخر بالمنطقة الدولية ينتظر أوان العبور، وصلنا المغرب وكلنا أمل في إيجاد منفذ لمعانقة “الفردوس” عبر معبر الناظور، غير أن حلمنا ارتطم بسياج حديدي على طول الحدود يحول بيننا وبين عبورنا.
وبعد فشلهم في العبور صوب الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، قرروا هؤلاء العيش في جماعات والبحث عن عمل، غير أن العمل في المغرب بدون وثائق تثبت هويتك مهمة مستحيلة، ليجدوا أنفسهم يتسولون المارة.

أبدولاي دائما يقول.. نحن لا نريد البقاء هنا، نريد العبور لإنقاذ عائلاتنا، هي فقط مسألة وقت، نعلم أننا نثير رعب المواطنين فهم يظنون أننا مجرمون، لكننا في الحقيقة جد مسالمين، نحن نعتذر من جميع المغاربة لأننا خربنا نظام عيشهم من دون قصد، لكن لو علم المغاربة كم المعاناة التي لقيناها للوصول إلى هنا لاستقبلونا في بيوتهم.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

حصاد فبراير

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة