” أهيئ بيد مرتعشة قليلا ، المتاهة التي أغامر بارتيادها، ناقلا إليها حديثي حتى أفتح له أقباءً أدفعهُ بعيدا عن ذاته وأجد له شرفاتٍ تلخص مجراه وتشوهه … متاهةٌ أضيع داخلها ثم أظهر أخيرا لألتقي عيونا لن أتمكن من مقابلتها مجددا.”
يفرض المجتمع رسوما ليُجلي وجودك المرئي وفق أعرافه، وبنفس الوقاحة يتطاول على المحكي، ولستَ يا هذا حرا في أن تلفظ إلا ما يُسمح لك به ويناسب وضعك الاجتماعي، خلا أن تكون ساردا واقعك في مقابر الخيال وقاصا عن عوالم لم ولن تعيشها. ومحمد برادة يفلت بضوء هارب من كل هاته المواضعات ليتجلى نورا حرا من العتمات: “لا تطلبوا مني أن أكون ولا تقولوا أن علي أن أظل أنا نفسي : فهذه أخلاق الحالة المدنية التــي تضبط أوراقنا الشخصية، لكن عليها أن تتركنا أحرار حين يتعلق الأمر بالكتابة”.
التخييلي و وعي الذاكرة
ينسل التخييل الذاتي عن الواقع باعتباره حكيا استرجاعيا يروم استدعاء الأحداث عن طريق الذاكرة، لكنه استرجاع واع، يبث الواقع بصور خيالية، ويتمرد على مواضعات الميثاق السير ذاتي (تداخل الأزمنة،الاختلاف في أسماء الأمكنة، عدم تطابق الهويات…إلخ). ويقدم الأحداث وفق أهميتها النفسية والوجدانية لا ترتيبها الكرونولوجي وحدوثها القدري” أنا لا أحسب العمر بالسنوات ولا أقيس الكسب بما أنجز وإنما ببعض اللحظات التي تومض ومضا خاصا يرج كياننا، ويطوِّح بنا خارج المألوف حافرا حب الحياة في السويداء. هي لحظات لا تتكرر كثيرا. ” يتيح التخييل الذاتي مساحة فلكية للتعبير عن استهامات الكاتب، وإيقاظ مشاعره من الأجداث، واستحضار أحلامه المنهكة. وذاته الحقيقية واعتوارات نفسه ومخاوفه الكبرى وما يتضاربه من تناقضات في منأى عن أية مراقبة أخلاقية أو وصاية دينية أو مجتمعية.”لا يهمني أن أتحدث عن ذاتي، بل ذواتي التي ظلت تركض في جنبات الظل، داخل المضيء/ المعتم، وسط متاهات الوعي بدون أن تقبض على ما يكون جوهرها. صور ومشاهد تتناسل وما من صور تُطابق الجوهر. بيني وبينك الزمان يا فاطمة، هو الذي يجعلني لا أعرف لأي صوت أنا الصدى. وأنت أيقظت ذلك الوهم الغافي الذي يشدني من جديد إلى الدوامة ويغريني بأن أبتدع معنى للأيام التي عشتها وكأن على قلبي غشاوة. عندما نظن أننا نعيش نكون موتى، ونبدأ نحيا عندما نكون على شفا الانطفاء”.
يقف محمد برادة على جرف عال مستشرفا حياته المتشظية صورا وخيالات، ويجمعها حلما حلما وشهوة شهوة. ويقيم الكتابة طقسا لتحضير أرواحٍ غابرةٍ في طيات الكتمان، وأشخاصٍ أغفلهم في لعبة النسيان، وأحداثٍ سكت عنها وكاد يطمسها الزمان. ويطلق العنان لنفسه لتظهر كأنها جان، تنتقل في كل فضاء ومكان وتلبس الحقيقة العارية من كل قناع، وتقف على ما عاشته دون خوف من الضمير السافرِ قسوةً والذي منعها الظهور حين سرد عن نفسه بواقعية السيرة الذاتية وميثاقها الأوطوبيوغرافي.
يمتنع الكاتب وهو على حافة الحياة عن أي منطق زمني في سرده لاستهاماته التي تشكل ذاته الحقيقية، فلا منطق أو تراتبية إلا ما قفز أولا إلى ذاكرته واحتل حيزا في نفسه، وقد يتهم ذاكرته ويشكك في فصلها بين الصدق والخيال، ولكنه يأذن لها لحاجة عميقة لا يشبعها إلا الحكي. ولما كان الأمر كذلك فقد اتسم الحكي بالتخييلي، ليحكي السارد ما يحكيه ليس كما حدث فقط، بل كما أراد أو ظن أنه حدث ” ما أقوله لك يا فاطمة، لم يكن بهذا الوضوح في ذهني ومشاعري، لأن الذي يوجد داخل مشهد الحركة لا يستطيع أن يضبط لفظيا ما يصدر عنه من أفعال واندفاعات، ولأنني لم أكن بهذا الوعي النسبي الذي يتيح لي الآن أن ألون الأشياء والحلقات وأنظمها مع أنها قد لا تكون – حين وقعت – سوى وقائع خالية من هذا المعنى الذي أحاول إضفاءه عليها.”
يحتاج السارد للحاق بهذا الضوء الهارب إلى شخصيات أخرى تشكل جزءا من هاته الذات التي تفرقت ذكريات، ولأن الناس العابرين قد أهملتهم الذاكرة عدا أولائك الذين لم يكن عبورهم خفيفا كريما، وإن بدى سريعا، فقد ساهم في تأثيث الفضاءات الأعمق في ذواتنا، تلك التي تشكل هويتنا النفسية، ومن هنا استدعاؤه لفاطمة وغيلانة و الدحماني وآخرين، وقد يتسرب إليهم وعيه فيتحدثون بلسانه ويدافعون عن قضاياه. ” – ملاحظاتي تخص منهج التدريس فهو يعتمد على نقل معلومات، مهما حاول، لن تكون مكتملة، وأنا لا أريد أن يلخص لي ما يمكن أن أقرأه في المراجع، أريد أن أتعلم التفكير بطريقة تربطني بما أعيشه،
– هو لا يمنعك من أن تفعل بعد أن تفهم الدرس ..
قاطعني بحدة: التفكير يكون عبر الحوار، وما تقترحينه مناجاة واجترار للمعلومات. أنا هنا لأعرف كيف يفكر زملائي، وكيف تكون ردود أفعالهم على ما يلقن لهم”
برادة يقص بإتقان أم يبوح بعمق ؟
” كتبت هذه السطور بسبب ضعفي، لو كنت قويا لروضت الحياة وغدوت سيد رغباتي ورغبات الأخرين […] من منا لا يهرب من شيء؟ أعود هاربا من كلمات المذكرات إلى خيوط الألوان، معرضا عن وهم التسجيل وتشخيص ما عشته، مكتفيا بالترديد: ما مضى فات ويبقى لي الضوء واللون ثم الفضاء الذي أحلم به من خلالهما …
ماعدا ذلك ثرثرة وموعظة تذروهما الرياح”
يقوم برادة من مقصلة السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي حين يكتب سارده العيشوني في نهاية الرواية مذكراته الشخصية، ويقص بدوره استهاماته ويورطنا جهارا في زيف الواقع وصدق المتخيل، إذ تشكل هاته المذكرات لب الرواية وكنهها، والمرتع الخصب الذي يورق بكل الأحداث، وتقود إليه متاهات الحكاية ويتضح فيه الملتبس وينير المعتم. إن الضوء الهارب وما تحدثنا عنه من اعترافات قابع في تلك المذكرات، والفرق بين السير ذاتي و التخييلي في الضوء الهارب هو نفسه يسترخي بهدوء في ما يسرده العيشوني” طوال أسبوع ينتابني قلق مداهم، في مثل هذه الحالات يطل الجنس بظلاله ومآزره ليدلف بي إلى المتاهات والاستيهامات. تستحوذ المرأة الجنس على حواسي، يتعطل التفكير إلا في هذا المجال. كل شيء يبتلعه هذا الإحساس العارم والمضاجعة لن تطفئ ما يستحوذ علي. لأن الرغبة مقترنة بالتفكير في الطقس المصاحب لها وبعلاقة الجنس بالحياة والموت والوحدة والتواصل ….منذ تجربتي مع غيلانة ثم كنزة، تحول الجنس لدي إلى عنصر ضروري لتحقيق التوازن والاستمرار”
تعيد هذه المذكرات سرد الأحداث من أعمق نقطة في نفسية الشخصية، وتفسح المجال لعوالم جديدة تم تغييبها في السرد وتسلط الضوء على كوامن الشخصية الأكثر غورا، وتبسطها كما أحستها الشخصية وعاشتها، وتحسر اللثام عن وجدانها وما اعتمل فيه جراء تعرضها للحياة.
ساق محمد برادة قراءه إلى جلسة حميمة في نقطة رمادية بين الصدق والخيال حيث الرقابة مستحيلة، وسرد عليهم ما باغته وخطط له، وما سكت عنه وعاشه، وما تخبط به وأخفاه، بنفس الحرارة العاطفية، وكأنه غير عابئ أي العيشِ أخزى من الذي سبق أو أيُّهُ أشرف، فلا معنى للخزي والشرف إلا من حيث الضمير الأخلاقي والرقابة الدينية والوصاية المجتمعية، والسرد انفلات من كل ذلك، وعتمة تضيئ.