أكد الخبير الاقتصادي والكاتب المغربي، إدريس الكراوي، أن الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية تعيش تحولاً جذرياً فاق كل التوقعات المسطرة في إطار “النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية”، مشدداً على أن هذه المناطق لم تعد مجرد جزء من النسيج الوطني، بل تحولت إلى مركز ثقل استراتيجي يربط القارات ويوجه بوصلة التعاون جنوب-جنوب.
وفي قراءة بلغة الأرقام، كشف الكراوي عن معطيات صادمة بخصوص النمو المتسارع؛ حيث كان الطموح المسطر هو الانتقال بالناتج الداخلي الخام للأقاليم الجنوبية من 10 مليارات درهم في عام 2010 إلى 22.5 مليار درهم بحلول عام 2025. غير أن الواقع، وفق أحدث أرقام الإحصاء العام للسكان والسكنى والمندوبية السامية للتخطيط لعام 2024، يظهر أن المناطق الثلاث للصحراء المغربية حققت ناتجاً داخلياً خاماُ بلغ 76 مليار درهم، وهو رقم يتجاوز الهدف المرسوم بأكثر من ثلاثة أضعاف وقبل بلوغ التاريخ المستهدف.
هذا الازدهار الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة السكان؛ إذ بلغ متوسط الناتج الداخلي للفرد في الأقاليم الجنوبية 66,108 درهم، وهو رقم يفوق بكثير المتوسط الوطني الذي يستقر في حدود 35,770 درهم، مما يؤكد نجاعة الاستثمارات الضخمة التي عبأتها الدولة والتي ناهزت 80 مليار درهم لمشاريع مهيكلة في الصحة، التعليم، البنية التحتية، والتشغيل.
وانتقل الكراوي لتحليل الأبعاد الجيوسياسية لهذا التطور، مشيراً إلى أن الصحراء المغربية باتت تلعب دوراً محورياً في الفضاء الأفريقي-الأطلسي. واعتبر أن المنطقة لم تعد مجرد قطب إقليمي، بل هي “منصة استراتيجية” تقدم منظوراً جديداً للتعاون مع أمريكا اللاتينية (خاصة المكسيك)، وأمريكا الشمالية، وأوروبا، وصولاً إلى العالم العربي وآسيا.
وأوضح الكراوي أن المقومات الجارية حالياً تجعل من الأقاليم الجنوبية “مختبراً عالمياً” للتحولات الكبرى، سواء تعلق الأمر بالانتقال الطاقي (الطاقات المتجددة)، التحول الرقمي، أو التحديات المناخية، مبرزاً أن المغرب يبني جيلاً جديداً من التكامل الإقليمي الذي يجعل من القارة الأفريقية شريكاً نداً لبقية القوى الدولية.
وفي سياق متصل، ربط الكراوي بين المنجز التنموي والمكاسب الدبلوماسية، مؤكداً أن اعتراف القوى الدولية بمغربية الصحراء وافتتاح عشرات القنصليات في العيون والداخلة هو ثمرة لواقع ملموس على الأرض. وأشار في هذا الصدد إلى “القرار التاريخي لمجلس الأمن رقم 2797” الذي كرس بوضوح وجدية مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد لهذا النزاع المفتعل.
وختم الكراوي مداخلته بالتأكيد على أن الهدف الأسمى من هذا النموذج التنموي يتجاوز الربح الاقتصادي إلى بناء “ثقافة للسلام والتضامن”. وشدد على مسؤولية النخب المغربية في ردم “الفجوة المعرفية” لدى شعوب أمريكا اللاتينية بخصوص تاريخ الصحراء المغربية، معتبراً أن الأقاليم الجنوبية اليوم هي أداة لتعزيز التفاهم المتبادل بين أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من أجل حياة أفضل يسودها التعاون والكرامة الإنسانية.