السكتيوي.. من دروب فاس العتيقة إلى أنوار باريس البراقة
في وقت قصير، سار على درب وليد الركراكي ولم يكسر ثقة المسؤولين عن الكرة في بلادنا.. على رأسهم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية للعبة، الذي اتخذ قرارا جريئا في وقت حساس جدا، أزاح من خلاله مدربٍ قاد أشبال الأطلس للتتويج بلقب قاري العام الماضي “عصام الشرعي”.. ليؤكد شرعية “فاس حاكمة العالم” بتوقيع من بطل اسمه طارق السكتيوي…
نفس قفزة الفرح تلك التي رصدتها الكاميرات في باريس سنة 2008، أعاد تركيبها أشرف حكيمي بتوقيعه الهدف السادس للمنتخب الأولمبي في مرمى مصر بأولمبياد باريس 2024.. ليقفز عنده السكتيوي بابتسامة عريضة مُنتشيا بلذة ميدالية برونزية هذه المرة ودائما في باريس…
لدى السكتيوي والجمهور المغربي إحدى الذكريات الجميلة عندما كان لاعبا بصفوف المنتخب الوطني، عندما سجل هدفا في مواجهة منتخب فرنسا مفتتحا التسجيل لأسود الأطلس في قلب عاصمة الأنوار، بعد أن تابع تسديدة يوسف حجي التي ارتدت من الحارس ميكايل لاندرو، ذلك اللقاء التاريخي انتهى بالتعادل هدفين في كل شبكة بعد أن أدرك التعادل يوسف المختاري في الدقائق الأخيرة.
من دروب فاس العتيقة إلى أنوار باريس البراقة
في 13 ماي 1977، رأى طارق السكتيوي النور في العاصمة العلمية للمملكة المغربية فاس.. ولأن لكل شخص من اسمه نصيب.. لم يتأخر طارق في طرق باب عالم المستديرة ومن حسن حظه أن باب أكاديمية المغرب الرياضي الفاسي كان سميعا مجيبا للطارق ذو النجم الثاقب..في سماء العالم.
انطلقت رحلة السكتيوي المميزة في ممارسة كرة القدم، تحت أضواء أكاديمية نادي المغرب الفاسي، حيث تألق سريعا كنجم صاعد في سماء اللعبة في فاس حيث الكل فيها، دون حاجته لمغادرة أسوار المدينة العتيقة.
في عام 1996، ومع بلوغه سن الثامنة عشرة، ظفر طارق السكتيوي بفرصة الالتحاق بالفريق الأول، ليقطع شريط رحلة تألقه مع الكبار وتوج مساره بلقب قاري هو كأس الكونفدرالية الافريقية سنة 2010، وذلك عند عودته من الاحتراف خارج المغرب.
لم يدخر طارق السكتيوي جهدا لإثبات مقولة “فاس والكل في فاس” لجذب أنظار الأندية العالمية الكبرى للتودد لفريقه الأم “الماص”، وقد نجح بالفعل في إحكام قبضة النجاح في عالم الساحرة المستديرة بعد عام واحد من التحاقه بالفريق الأول للمغرب الفاسي..
في عام 1997، انتقل السكتيوي إلى نادي أوكسير الفرنسي، مفتتحا باب الاحتراف الدولي ليصول ويجول في أندية أوروبا بين فرنسا والبرتغال، وهولندا، وسويسرا…
كان الانتقال إلى القارة العجوز بمثابة بداية جديدة مليئة بالتحديات والفرص، ولم يتوقف عند حدود فرنسا، بل تجاوزه إلى البرتغال، حيث انضم إلى نادي بورتو، مواصلا رحلة تميزه.
كان من بين أبرز محطاته، انتقاؤه للعب مع نادي ماريتيمو البرتغالي في عام 1999، حيث قدم أداء مميزا في مباراتين فقط. وفي موسم 1999/2000، كانت تجربته مع نادي نوشاتل السويسري تجربة أخرى مثيرة، حيث خاض مع الفريق 9 مباريات. لكن المسيرة لم تتوقف هنا، إذ انتقل في عام 2000 إلى فيلم تو تيلبورغ الهولندي، حيث لعب حتى عام 2004، مشاركا في 73 مباراة وسجل خلالها 19 هدفا، ليثبت نفسه كلاعب ذو تأثير كبير في مركز الجناح..
انتقل طارق بعد ذلك إلى نادي ألكمار الهولندي في عام 2004، حيث أضاف إلى سجله 48 مباراة و10 أهداف، ليواصل رحلته الاحترافية إلى نادي آر كي سي فالفيك الهولندي على سبيل الإعارة في عام 2007، حيث خاض 4 مباريات وسجل هدفا واحدا.
وفي الفترة ما بين 2006 إلى 2009، عاد إلى نادي بورتو البرتغالي وتوج معه بخمسة ألقاب مختلفة، قبل أن يسير على خطى العديد من الدوليين المغاربة الذي أنهوا مسيرتهم الاحترافية بالخليج، عبر بوابة نادي عجمان الإماراتي، ليقرر بعدها العودة لنقطة البداية.. مسقط رأسه المغرب الفاسي، حيث وضع حدا لمسيرة طارق اللاعب الدولي في موسم 2010/2011، مغلقا سجل ألقابه بكأس الكونفدرالية الافريقية.
مسار دولي محترم وبراق
على غير العادة، لم يحتج طارق السكتيوي وقتا طويلا لإثبات مكانته في صفوف المنتخب الوطني المغرب، فخلال عامه الأول مع الفريق الأول للمغرب الفاسي، أبى إلا أن يترك بصمته مع منتخب الشباب تحت 20 سنة، حيث قاد السكتيوي فريقه إلى تحقيق كأس إفريقيا سنة 1997، وهي السنة التي شكلت انطلاقته الحقيقية في عالم كرة القدم. لم يكن الإنجاز فقط في التتويج باللقب، بل نال أيضاً لقب أفضل لاعب في البطولة، ليبرهن بذلك على قدراته الفائقة في مرحلة مبكرة من مسيرته.
في وقت لاحق، انتقل السكتيوي إلى المنتخب الوطني الأول، حيث أضفى على صفوفه حيوية واحترافية بين عامي 2001 و2008، مُشاركاً في 18 مباراة سجل خلالها 5 أهداف. كانت مشاركته في كأس إفريقيا 2004 من أبرز محطاته الدولية، حيث قدم أداء مميزا ساهم في وصول المنتخب المغربي إلى المباراة النهائية، إلا أن المنتخب التونسي، حال في النهائي دون تتويج أسود الأطلس باللقب القاري.
نجم الملاعب..قمر دكة البدلاء
لم يجد طارق السكتيوي، أفضل من بلده ليطرق باب عالم التدريب في كرة القدم.. وفتحت أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، أذرعها لابن المغرب البارّ ليطل بعد سنوات قليلة كقمر منير في سماء المغرب ثم أوروبا.. وتحديدا عاصمة الأنوار باريس.
صحيح أن السكتيوي المدرب، أثبت مؤهلاته في مجال التدريب داخل البطولة الاحترافية وأقنع بفلسفته التدريبية العديد من الأندية للتخاطف على التعاقد معه بعد سجل من البطولات المحلية المحققة.. لكن يبدو أن لباريس الفرنسية علاقة وطيدة بطارق اللاعب والمدرب.. توهج وأمتع وأقنع في عاصمة الأنوار سنة 2008 كلاعب شاب في صفوف منتخب بلده.. وأعاد تركيب السيناريو ذاته سنة 2024 كمدرب شاب مخضرم يقود منتخب بلده.. فما حكايتك بباريس يا طارق ؟
بدأ السكتيوي مسيرته الجديدة في عالم التدريب مع نادي المغرب الفاسي سنة 2013، وأظهر ملامح مدرب كبير قادم في الطريق، على خطى شقيقه الأكبر عبد الهادي السكتيوي الذي سبق في المجال.. وهو الأمر الذي أتاح له فرصة تدريب أندية مغربية أخرى مثل الوداد الفاسي، المغرب التطواني، نهضة بركان، الاتحاد التوركي، ونادي الإمارات الثقافي الرياضي.
كانت أبرز إنجازاته كمدرب تتويجه بكأس العرش الغالية مع المغرب الفاسي عام 2016، وقيادته لنهضة بركان للفوز بكأس الكونفدرالية الأفريقية في عام 2020.. إنجازات تتحدث عن نفسها، لتثبت أن طارق السكتيوي لم يكن مجرد لاعب بارع، بل مدربا مبدعا استطاع أن يترجم خبرته إلى نجاحات ملهمة في عالم التدريب.. بشخصية قوية يفرضها على إدارة الأندية ومجموعته على حد سواء.
فاس حاكمة العالم..
أما عن الملحمة التي كانت مدينة باريس مسرحا لها ضمن منافسات الألعاب الأولمبية باريس 2024.. فقد حكمها أهل فاس تأكيدا لمقولة المغاربة ” فاس حاكمة العالم”…
المغرب لم يكتب له القدر العودة من أولمبياد باريس خاوي الوفاض، وكتب القدر أن ينقذ أهل فاس ماء وجه المملكة المغربية في هذه المشاركة الأولمبية. فبعد العداء المغربي البطل سفيان البقالي الذي وُشح بالذهب ضمن سباق 3000 متر موانع، أتى الذور على ابن مدينته طارق السكتيوي ليهدي المغرب ميدالية برونزية في كرة القدم..
طارق السكتيوي فرض أسلوبا هجوميا في جميع المباريات وترك للاعبين الحرية في استعراض مهاراتهم الفنية والتقنية، مُطلقا العنان لمدرسة كروية المغربية تليق بأبنائها.. بصمة مغربية خالصة بكل هدوء إلى حين الانفراج عن ضحكة عريضة من طارق أطلق سراحها العميد الكبير أشرف حكيمي بهدفه السادس أمام الفراعنة في لقاء الترتيب.
خمسة أشهر فقط.. بعد إعلان السكتيوي مدربا للمنتخب المغربي لأقل من 23 سنة.. كانت كفيلة وكافية لابن العاصمة العلمية للملكة ليقف على فريق قوي أحرج بطل “الكونككاف” منتخب الأرجنتين وانتصر عليه في افتتاح الأولمبياد.. تعثر أمام أوكرانيا كأي فريق.. واستعاد تواظنه بمواجه العراق، وانتصر على الولايات المتحدة الأمريكية..
وبأخطاء بسيطة انهزمنا أمام الإسبان بفارق هدف وحيد، قال عنها السكتيوي :” أخطأت في الاتفاق مع اللاعبين بالعودة للخلف خلال ربع ساعة أمام إسبانيا..وهذا السقوط أمام لاروخا سيكون نقطة قوتنا أمام مصر”.. وعد طارق وكفى وأوفى بسداسية نظيفة على المتتخب المصري ليرفع علم المغرب في “بوديوم” الأولمبياد أمس الجمعة رفقة البطل إسبانيا والوصيف فرنسا.
لم يكن طارق وحيدا خلف الكواليس.. لأن المشاريع الرياضية الكبرة تلزم حضور مبدأ “العائلة” وبعد الوقت.. وعن هذا الأمر قال السكتيوي :” وليد وأنا هنا في خدمة كرة القدم الوطنية وكفى”.
ويبدو أن الميدالية البرونزية قد أخرصت أفواه المنتقدين والمشككين في ملحمتي قطر وباريس.. وبين الأولى والثانية مشروع رياضي مغربي خالص يرأسه الأسطورة فوزي لقجع تحت رعاية الملك محمد السادس.. في انتظار ملاحم “كان 2025” ومونديال 2030..