في خطوة تبرز التناقض بين النمو الزراعي وأزمة المياه المتفاقمة، يواصل المغرب السير نحو تحقيق رقم قياسي جديد في تصدير الأفوكادو للموسم الثاني على التوالي. ورغم أن البلاد تعاني من ندرة المياه، وهو الأمر الذي يُنظر إليه كتهديد كبير للأمن المائي في المستقبل القريب، إلا أن زراعة الأفوكادو تشهد توسعًا كبيرًا، مما يثير تساؤلات حول استدامة هذا التوجه في ظل الظروف المناخية الحالية.

عبد الله اليملاحي، رئيس الجمعية المغربية للأفوكادو، أعرب عن تفاؤله الكبير حيال الموسم الزراعي الحالي. وفقًا لتصريحاته، فإن المحصول يسير بشكل جيد، ويتوقع زيادة في كميات الإنتاج والأحجام مقارنة بالعام الماضي. وقال اليملاحي إن عملية جني المحصول من المتوقع أن تبدأ في الأسابيع المقبلة للأصناف ذات القشرة الخضراء، وفي مواعيدها المحددة، ما يبشر بـ”حصاد ممتاز وتوزيع أفضل للأحجام”، بحسب تعبيره.

ويرجع هذا التفاؤل إلى الظروف الجوية التي كانت، بحسب اليملاحي، مواتية إلى حد كبير هذا العام. وأوضح أن درجات الحرارة المعتدلة وغياب الرياح العاتية ساعدا في حماية المحصول. وفي حين تسببت الرياح الشرقية الدافئة، القادمة من جنوب المغرب، في خسائر كبيرة العام الماضي، حيث أدت إلى فقدان 10% من محصول الأفوكادو قبل الحصاد مباشرة، فإن تأثيرها هذا العام كان محدودًا. ويضيف اليملاحي: “نأمل في الأفضل حتى يحين وقت الحصاد، حيث كانت العواصف في الموسم الماضي سببًا في العديد من الصعوبات”.

ليس فقط العواصف، بل إن الموسم السابق تميز أيضًا بوفرة الأحجام الصغيرة للأفوكادو، وهو ما شكل تحديًا كبيرًا للمصدرين المغاربة. الأحجام الصغيرة، التي نتجت عن كثافة الثمار على كل شجرة، جعلت من الصعب تسويق المحصول بالشكل المعتاد. لكن هذا العام، يشير اليملاحي إلى أن المزارعين تمكنوا من تجاوز هذه المشكلة بفضل تحسين تقنيات الزراعة وتوزيع الثمار على الأشجار بشكل أكثر توازنًا.

ومع تحسن الأحجام والكميات، تتوقع الجمعية المغربية للأفوكادو أن يسجل الإنتاج رقماً قياسياً جديداً هذا الموسم، ليصل إلى ما بين 80 و90 ألف طن، مقارنة بـ60 ألف طن في الموسم الماضي. ويشير اليملاحي إلى أن المساحات المزروعة لم تزد كثيرًا، حيث تبلغ حوالي 10 آلاف هكتار، لكن النمو المتوقع في الإنتاج يعود إلى نضج الأشجار الصغيرة وتحسن الظروف الجوية.

ورغم هذا التفاؤل بالنمو الإنتاجي، إلا أن زراعة الأفوكادو في المغرب تثير مخاوف كبيرة من الناحية البيئية، خصوصًا في ظل أزمة المياه التي تواجه البلاد. تشير تقارير متخصصة إلى أن الأفوكادو من أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه. وبحسب بيانات المعهد الهولندي للصحة العامة والبيئة، فإن إنتاج كيلوغرام واحد من الأفوكادو يتطلب 729 لترًا من المياه. لكن الأمر قد يكون أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ تشير تقديرات مجلة “هيدرولوجيا وعلوم نظام الأرض” إلى أن هذه الكمية قد تصل إلى نحو 2000 لتر من الماء لكل كيلوغرام واحد من الأفوكادو.

هذا الاستنزاف الكبير للمياه يطرح تساؤلات حول استدامة زراعة الأفوكادو في المغرب، خاصة في المناطق التي تعاني من ندرة المياه. ومع ذلك، يبدو أن الحكومة المغربية والمزارعين يواصلون التوسع في هذه الزراعة نظرًا للعوائد الاقتصادية الكبيرة التي تحققها. ففي خطوة لزيادة تنويع الأسواق، اتجه المغرب هذا العام نحو تصدير الأفوكادو إلى أسواق جديدة مثل جورجيا، حيث أرسل المغرب لأول مرة شحنة مباشرة من نوع “هاس” إلى هذا البلد. وقد تم ذلك بالتعاون مع مستورد محلي وسلسلة متاجر كبرى، مما أتاح للمستهلكين الجورجيين الوصول إلى كميات وفيرة من الأفوكادو بأسعار معقولة.

على الجانب الآخر، لا تزال أوروبا تشكل السوق الرئيسية لصادرات الأفوكادو المغربية. ويستهدف المصدرون المغاربة أربع دول في الاتحاد الأوروبي بشكل أساسي، وهي إسبانيا، فرنسا، هولندا، وألمانيا. وتشير الإحصاءات إلى أن الدول الثلاث الأولى تعيد تصدير كميات كبيرة من الأفوكادو المغربي، مما يعزز من دور المغرب كأحد الموردين الرئيسيين لهذه الفاكهة في السوق الأوروبية. وفي الوقت نفسه، تبرز المملكة المتحدة كخامس أكبر مستورد للأفوكادو المغربي، مما يعزز مكانة المغرب في هذا السوق الحيوي.

وبينما يحتفل المغرب بنجاحاته المتتالية في زراعة وتصدير الأفوكادو، يبقى التحدي الأكبر في كيفية تحقيق التوازن بين التوسع الزراعي والحفاظ على الموارد المائية. فعلى الرغم من الفوائد الاقتصادية الكبيرة التي تحققها زراعة الأفوكادو، فإن استدامة هذه الزراعة في ظل الظروف البيئية الحالية تظل مسألة تحتاج إلى دراسة معمقة وتخطيط استراتيجي يضمن الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store