أبرز الكاتب والموثق كمال رضواني الدور الجوهري للثقافة في الحفاظ على إنسانية اللاجئين وكرامتهم، داعيًا إلى تجاوز النظرة النمطية التي تختزلهم في مجرد أرقام أو مخاطر أمنية.
وسلط رضواني الضوء على أن وراء كل موجة هجرة قصصًا إنسانية عميقة، وليست مجرد أعداد تمر عبر الحدود. واستهل حديثه بقصص شخصية عايشها، مثل قصة “مروة”، الطفلة التي حلمت بالتمثيل، وحولت مسرحًا مهجورًا في زمن الحرب إلى مساحة حياة وابتسامة للأطفال، قبل أن تجبرها الظروف على الفرار لتبدأ رحلة المنفى التي استمرت ست سنوات.
كما استشهد بقصة “منى”، طالبة الطب التي فقدت شقيقها في قصف منزلها، ولم تستطع أن تحمل معها في رحلة هروبها سوى بعض الصور وكتاب واحد، ليصبح هذا الكتاب كل ما يربطها بماضيها وهويتها.
ويرى رضواني أن رحلة المهاجر تمر بثلاث مراحل أساسية، تظهر فيها الثقافة كعنصر حيوي للنجاة.
المرحلة الأولى هي الصدمة والهروب، حيث يفقد الإنسان كل شيء مادي. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في حياة المخيمات المؤقتة. وفي هذه المرحلة، التي غالبًا ما يصورها الإعلام على أنها مجرد انتظار للمساعدات الغذائية والطبية، يؤكد رضواني أن “الثقافة تظهر من جديد”. تبرز في حكايات الأجداد للأطفال، وفي المسرحيات البريئة التي يقدمها الصغار ليروون عبرها رحلة نزوحهم، وحتى في “وصفة خبز” تصبح شكلاً من أشكال المقاومة والحفاظ على الهوية. ويقول رضواني: “الثقافة هي التي تعطي صوت الكرامة لهؤلاء اللاجئين الذين فقدوا كل شيء”.
أما المرحلة الثالثة، وهي الوصول إلى أوروبا، فتتحول فيها الثقافة التي حملها المهاجر في داخله إلى “عقبة” بسبب الصور النمطية والأحكام المسبقة. لكن رضواني يقدم بصيص أمل، مستعيدًا قصة “مروة” التي وصلت إلى فرنسا، وكيف أن رجلاً، بعد مشاهدة فيلم وثائقي عن قصتها، لم يعرض استضافتها وعائلتها فحسب، بل تعهد بمساعدتها على تحقيق حلمها بأن تصبح ممثلة.
ويخلص رضواني إلى أن “الثقافة تفتح الأبواب وتدعو للاستماع بدلًا من الحكم والرفض”، مؤكدًا على المسؤولية الجماعية في إعطاء هؤلاء المهاجرين مساحة لائقة لقصصهم وإنسانيتهم، بدلاً من تحويلهم إلى أرقام في الخطاب السياسي.
واختتم شهادته بكلمات مؤثرة لجدّ قابله قال له: “نعم، لقد فقدت كل شيء… تركت منزلي ورائي، لكنني لم أترك ذاكرتي”. معتبرًا أن هذه الذاكرة هي الثقافة ذاتها، وهي الكنز الذي يجب حمايته، لأنه يمثل جوهر الإنسان في مواجهة محاولات طمسه وتجريده من هويته.