سجل الرصيد العقاري للدولة، المملوك في إطار “الملك الخاص”، تطورًا غير مسبوق خلال سنتين فقط، إذ انتقل من 4.2 مليون هكتار في سنة 2023 إلى ما يناهز 9.3 مليون هكتار مع متم يونيو 2025، بحسب ما كشفت عنه وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي.
هذا التطور اللافت جاء نتيجة سلسلة من الإجراءات القانونية والتنظيمية والمؤسساتية التي باشرتها مديرية أملاك الدولة، في أفق إعادة تكوين الاحتياطي العقاري وتثمينه وتأمينه بشكل يواكب حاجيات الدولة في مجالات الاستثمار والتعمير والتنمية.
وأوضحت فتاح، في معرض جوابها على سؤال كتابي وجهه النائب البرلماني إدريس السنتيسي رئيس الفريق الحركي، أن وزارة الاقتصاد والمالية شرعت في إعداد مشروع قانون جديد يتعلق بالملك الخاص للدولة، يروم صياغة تعريف قانوني موحد لهذا النوع من الأملاك، وتبسيط وتحيين وتدوين قواعده القانونية بشكل متناسق، بما يُمكّن من تعبئة هذه الأراضي بطريقة فعالة واستراتيجية دون المساس بحقوق المِلكية التي يضمنها الدستور.
وأكدت المسؤولة الحكومية أن الدولة منحت نفسها، بموجب النصوص الجاري بها العمل، صلاحية ممارسة “حق الأولوية” لاقتناء العقارات والحقوق العينية ذات الأهمية الاستراتيجية، قصد إنشاء مناطق جديدة للتعمير، وتكوين أراض احتياطية موجهة للاستثمار، وإحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية والتجهيزات الكبرى. وقد تم تفعيل هذه الآلية بناءً على مسطرة تأخذ بعين الاعتبار حقوق المِلكية ومعيار المصلحة العامة.
وشددت فتاح على أن مشروع القانون الجاري إعداده يُنتظر أن يُشكّل أرضية قانونية وتنظيمية متكاملة تسمح بتوسيع الرصيد العقاري دون المس بحق الملكية، مع ضمان حماية هذا الرصيد وتحفيظه وتعبئته بما يتماشى مع الأهداف التنموية للدولة.
ومن أجل بلوغ هذه الغايات، عقدت مديرية أملاك الدولة شراكات مع عدد من المؤسسات العمومية وشبه العمومية، منها وزارة الداخلية عبر مديرية الشؤون القروية لاقتناء الأراضي السلالية، ووزارة التجهيز والماء لاستخراج العقارات العمومية التي فقدت صفة المنفعة العامة وضمها إلى الملك الخاص، إضافة إلى مجموعة التهيئة العمران التي تتكفل بتوفير المرافق العمومية في المشاريع السكنية والتجهيزية.
وفي ما يتعلق بورش التحفيظ، الذي يُعتبر ركيزة أساسية لحماية الرصيد العقاري وتثمينه وتعبئته، فقد كشفت الوزيرة عن توقيع اتفاقية تعاون مع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، قصد تحيين وتتبع وضعية العقارات، إلى جانب إبرام صفقات مع مكاتب متخصصة لإنجاز المسح الطوبوغرافي، ما أسفر عن مسح مساحة تفوق 2.7 مليون هكتار إلى حدود يونيو 2025. كما تم إبرام اتفاقيات أخرى مع الشركاء المعنيين لحل الإشكالات العقارية التي تشوب بعض الأملاك، سواء كانت مرتبطة بتعرضات متبادلة أو بدعاوى قضائية.
وأفادت نادية فتاح بأن الوزارة أطلقت عملية استثنائية لتصنيف العقارات غير المحفظة، ودراسة أصول تملكها، والتعرف عليها ميدانيًا، ووضع تصاميم تجزيئية بشأنها، قبل إيداع مطالب تحفيظها لدى مختلف المحافظات العقارية، وهو ما أسفر عن تقليص العقارات غير المحفظة إلى نسبة لا تتجاوز 0.02% من إجمالي الرصيد العقاري للملك الخاص. كما تم التركيز على الأقاليم الجنوبية عبر تنسيق خاص مع السلطات العمومية من أجل تعبئة العقار العمومي لفائدة المشاريع الاستراتيجية في تلك المناطق.
وأبرزت الوزيرة أن هذه الدينامية المؤطرة قانونيًا وتنظيميًا هي التي أفضت إلى مضاعفة الرصيد العقاري للدولة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تعبئة الإمكانيات العقارية بهدف دعم الاستثمار، وتمكين الدولة من أدوات التخطيط والتنمية، وتوفير الأراضي اللازمة للمشاريع الكبرى في مختلف جهات المملكة.
هذا التحول في سياسة أملاك الدولة يعكس، حسب متتبعين، تحولا بنيويا في منهجية الدولة المغربية بخصوص حكامة العقار العمومي، في سياق وطني يراهن على استقطاب الاستثمارات وتحقيق العدالة المجالية، وتوفير البنيات التحتية اللازمة لمواكبة التحول التنموي الذي تعرفه المملكة في أفق الاستحقاقات الكبرى المرتقبة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030.