شهدت الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية ، مواجهة جديدة بين السلطات وحركة “جيل زد 212” الشبابية في ساحة السراغنة، حيث طوقت القوة العمومية المكان لمنع تنفيذ الوقفة الاحتجاجية التي دعت إليها الحركة.
هذا الحدث، الذي تكرر بعد مواجهة مماثلة مساء السبت وسط المدينة، يعكس تصاعدا ملحوظا في حدة الاحتجاجات الاجتماعية التي تقودها فئة شبابية جديدة تتبنى أساليب مختلفة عن الحركات التقليدية.
وتميزت المواجهة بحضور شباب متحدرين من أحياء مختلفة بالمدينة، مما يشير إلى قاعدة شعبية متنوعة جغرافياً واجتماعياً للحركة.
وقد شهدت أزقة درب السلطان، المحاذية للساحة، احتكاكات واشتباكات بالأيدي بين القوة العمومية والمحتجين، في ظل منع استمرار المسيرة وتوقيف بعض المشاركين. هذا التصعيد الأمني يعكس قلقاً رسمياً من تنامي قوة هذه الحركة وانتشارها، خاصة مع تكرار مثل هذه المشاهد في فترة زمنية قصيرة.
وبرزت خلال الاحتجاج شعارات ذات دلالات سياسية واجتماعية عميقة، حيث ردد المتظاهرون عبارات مثل “الشعب يريد إسقاط الفساد” و”حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”، وهي شعارات تحمل صدى الحركات الاحتجاجية في المنطقة العربية وتعبر عن أزمة ثقة عميقة بين الشباب والمؤسسات الرسمية.
كما ركزت الشعارات على المطالبة بحقوق أساسية في التعليم والصحة من خلال هتاف “الشعب يريد .. الصحة والتعليم”، مما يشير إلى تدهور هذين القطاعين الحيويين في نظر المحتجين.
ويكشف التركيز على انتقاد الاهتمام بتشييد البنيات التحتية الرياضية، خصوصاً الملاعب المخصصة لاستضافة مونديال 2030، عن جوهر الخلاف بين الحركة والحكومة حول أولويات الإنفاق العام. شعار “الصحة أولا .. ما بغيناش كأس العالم” يعبر بوضوح عن رفض توجيه موارد ضخمة للمشاريع الرياضية بينما تعاني القطاعات الحيوية من تدهور ملحوظ، وهو موقف يطرح تساؤلات جدية حول أولويات التنمية في البلاد.
وشهدت الوقفة مشاركة وجوه حقوقية وسياسية، على رأسهم البرلمانية نبيلة منيب من الحزب الاشتراكي الموحد، التي دعت إلى الاستجابة الفورية لمطالب الشباب وانتقدت ما وصفته بـ”تدهور المدرسة العمومية والصحة”. غير أن حضور منيب أثار جدلاً داخل الحركة نفسها، حيث انتقدت الصفحة الرسمية لـ”جيل زد 212″ هذا الحضور ورفضت ما أسمته “الركوب على الاحتجاجات”، مؤكدة أن الحركة لا تنضم لأي حزب سياسي ولا تسمح لأي مترشح حزبي بالظهور في مظاهراتها كمساند.
هذا الموقف الحازم من الاستقلالية السياسية يميز حركة “جيل زد 212” عن الحركات التقليدية، ويعكس رغبة جيل جديد من الشباب في التعبير عن مطالبه دون وصاية حزبية أو توظيف سياسي. استخدام الحركة للتعبير الشعبي “ركوب الأمواج راه رياضة كاتدار في البحر ماشي في الاحتجاجات” يشير إلى محاولة التواصل بلغة الشارع وتجنب البلاغة السياسية التقليدية، مما يعكس أصالة في الخطاب وقرباً من الواقع المعيش.
تواجه السلطات المغربية معادلة صعبة في التعامل مع هذه الظاهرة الاحتجاجية الجديدة، فبين ضرورة الاستجابة لمطالب مشروعة للشباب والحفاظ على الاستقرار الأمني، تبدو الخيارات محدودة. الاستراتيجية الأمنية المتمثلة في التطويق والمنع قد تحتوي الموقف مؤقتاً، لكنها لا تعالج الأسباب الجذرية للاحتجاج، كما أن القمع المفرط قد يؤدي إلى تأجيج الوضع أكثر من احتوائه.
في المحصلة، تمثل حركة “جيل زد 212” نموذجاً جديداً للاحتجاج الشبابي في المغرب، يتميز بالاستقلالية عن الأطر السياسية التقليدية والتركيز على القضايا الاجتماعية الملحة. مواجهة ساحة السراغنة ليست حدثاً معزولاً، بل مؤشر على تحول في طبيعة الحراك الشعبي قد يعيد تشكيل قواعد اللعبة السياسية والاجتماعية في البلاد، مما يتطلب من جميع الأطراف إعادة النظر في استراتيجياتها للتعامل مع هذا الواقع الجديد.