السياحة المغربية تكسر حاجز 18 مليون سائح.. أرقام قياسية ورهانات على “الجودة” و”العدالة المجالية”
يواصل القطاع السياحي في المغرب تسجيل أرقام استثنائية تؤكد تعافيه الكامل من تداعيات الجائحة ودخوله مرحلة جديدة من النمو المتسارع.
وكشفت أحدث المعطيات الرسمية عن استقبال المملكة لـ 18 مليون سائح حتى متم شهر نونبر، بزيادة قدرها 600 ألف سائح مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وسط توقعات بأن تتجاوز العائدات المالية حاجز 120 مليار درهم.
هذه الطفرة الرقمية كانت محور نقاش في برنامج “الحصيلة”، حيث أجمع الخبراء على أن هذا الإنجاز ليس وليد الصدفة، بل ثمرة استراتيجيات وطنية محكمة، في الوقت الذي دعوا فيه إلى ضرورة “مهننة” القطاع وضمان استفادة المناطق النائية من هذه الدينامية الاقتصادية.
في قراءته لهذه الأرقام، أكد رشيد ساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، خلال مروره عبر قناة “medi1 تيفي”، أن الدينامية الحالية هي نتاج تراكمي لمجهودات الدولة، بدءاً من حملة “نتلاقاو في بلادنا” وصولاً إلى خارطة الطريق الاستراتيجية 2023-2026.
وأوضح ساري أن القطاع السياحي، الذي كان يُعتقد أنه وصل إلى “الموت السريري” إبان جائحة كورونا، عاد بقوة بفضل إعادة هيكلة الفنادق وتنويع العرض السياحي.
وأشار ساري إلى أن العائدات المالية المرتقبة (أكثر من 120 مليار درهم) تعكس تطوراً نوعياً في الاستهلاك السياحي الذي لم يعد يقتصر على الفندقة والمطاعم، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى كالصناعة التقليدية والنقل، مدعوماً بتطور ملحوظ في البنيات التحتية من طرق سيارة وسكك حديدية استعداداً للاستحقاقات الكبرى ككأس إفريقيا ومونديال 2030.
تنويع العرض.. مفتاح الجذب
ولم يعد العرض السياحي المغربي حبيس “السياحة الكلاسيكية”، إذ لفت المتدخلون الانتباه إلى بروز أنماط جديدة كالسياحة البيئية، الرياضية، والصحية، بالإضافة إلى سياحة المؤتمرات. كما سجلت الحجوزات الإلكترونية طفرة نوعية ببلوغها 4 ملايين حجز، مما يعكس انخراط القطاع في التحول الرقمي.
وفي هذا السياق، شدد يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، على أن المغرب نجح في تحقيق نمو بنسبة تناهز 38% مقارنة بسنة 2019 (سنة ما قبل الجائحة)، وهو مؤشر قوي على جاذبية “الوجهة المغربية”.
تحدي “العدالة المجالية”
ورغم هذه الصورة الوردية، نبه الفيلالي إلى ضرورة تجنب “مغرب بسرعتين” في القطاع السياحي. ودعا إلى ضرورة إدماج المناطق القروية والنائية في هذه الدينامية، لضمان استفادة الساكنة المحلية من ثمار النمو السياحي، وجعل السياحة رافعة للتنمية الاجتماعية ومقلصاً للفوارق الطبقية والبطالة، وليس فقط مصدراً للعملة الصعبة.
وأكد الفيلالي على أهمية خلق “اقتصاد تضامني ومستدام” في القرى المجاورة للمزارات السياحية، عبر تشجيع الأنشطة الترفيهية والرياضية الجبلية والرملية التي تدر دخلاً مباشراً على السكان المحليين.
معركة “الجودة” ومحاربة الظواهر السلبية
وفيما يتعلق بتجويد العرض، اتفق الخبيران على أن الرهان القادم هو “المهننة”. وأشار رشيد ساري إلى وجود “نقط سوداء” يجب معالجتها بحزم، أبرزها ظاهرة التسول في المناطق السياحية وانتشار المرشدين غير المعتمدين (فوكيد)، الذين يسيئون لصورة البلد.
من جانبه، دعا الفيلالي إلى الاستثمار في الرأسمال البشري عبر تكوين العاملين في القطاع على اللغات وتقنيات الاستقبال والرقمنة، لضمان خدمة ترقى للمعايير الدولية. كما شدد على ضرورة الانفتاح على أسواق جديدة واعدة، مثل السوق الآسيوية والأمريكية اللاتينية، وعدم الاكتفاء بالأسواق التقليدية الأوروبية، مع تقديم عرض سياحي متكامل ومنافس من حيث الأسعار والجودة.
وختم المتدخلون بالتأكيد على أن المغرب يمتلك كافة المقومات – من موقع استراتيجي، وتنوع جغرافي، وكرم ضيافة – ليتجاوز سقف 18 مليون سائح، شريطة الاستمرار في تنزيل خارطة الطريق بحكامة، ومحاربة الممارسات الريعية التي قد تخدش وجهة المغرب السياحية.