لم يكن انهيار البنايتين المتجاورتين بحي المستقبل في فاس، ليلة الثلاثاء – الأربعاء، والذي أودى بحياة 19 شخصاً وأصاب 16 آخرين، مجرد حادث عابر أو كارثة طبيعية. بل هو نتيجة حتمية لسلسلة من الخروقات والتجاوزات العمرانية التي تحولت مع الزمن إلى قنبلة موقوتة انفجرت في وجه أسر بريئة.
المعطيات الأولية تكشف عن حقيقة صادمة: التجزئة السكنية التي تضم البنايتين المنهارتين كانت مرخصة في الأصل لبناء طابقين فقط، لكنها تحولت بشكل غير قانوني إلى بنايات من أربعة طوابق.
هذا التجاوز الفاضح يطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: كيف سُمح بتشييد طابقين إضافيين فوق أساسات غير مصممة لتحمل هذا الوزن الإضافي؟
السؤال الأخطر: من سمح بذلك؟
التجاوز الذي أدى إلى هذه الفاجعة يضع مسؤوليات متعددة على طاولة التحقيق:
من منح الضوء الأخضر لتجاوز الرخصة الأصلية؟ هل كان هناك تواطؤ أم تراخٍ في تطبيق القانون؟
من كان مسؤولاً عن المراقبة الميدانية أثناء البناء؟ وكيف غضت السلطات المحلية الطرف عن هذه المخالفات الصارخة؟
أين كان دور المهندسين والمكاتب الدراسية التي من المفترض أنها أشرفت على المشروع؟ هل صادقت على مخططات مخالفة؟
ما دور المقاول في تنفيذ بناء غير مطابق للرخصة وللمعايير الهندسية؟
كيف تم تحويل مشروع سكني بسيط إلى بنايات شاهقة؟
المسؤولية في هذه الكارثة لا تتجزأ. كل من وقع أو صادق أو سكت عن الخرق، يعد شريكاً مباشراً في موت 19 مواطناً وإصابة 16 آخرين. القائمة تشمل:
المقاول الذي نفذ البناء المخالف بحثاً عن ربح أكبر على حساب أرواح الناس.
المهندسون والمكاتب الدراسية الذين من المفترض أنهم ضمنوا السلامة الإنشائية.
السلطات المحلية التي تخلت عن دورها الرقابي أو تغاضت عن المخالفات.
كل من كان له دور في منح التراخيص أو المصادقة على المخططات أو المراقبة الميدانية.
في ظل هذه المعطيات الخطيرة، تتصاعد المطالب بفتح تحقيق قضائي شامل ومستقل يكشف المسؤوليات ويحاسب كل من تورط في هذه الكارثة. التحقيق يجب أن يشمل:
فحص جميع الوثائق المتعلقة بالتجزئة والرخص الممنوحة والمخططات المصادقة.
الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية من مهندسين ومقاولين ومسؤولين محليين.
تحديد من أعطى الضوء الأخضر للتجاوزات ومن تقاعس عن أداء واجبه الرقابي.
محاسبة كل من ثبتت مسؤوليته في هذه الفاجعة، مهما علا شأنه أو موقعه.
وفي انتظار نتائج التحقيقات، تتواصل عمليات البحث والإنقاذ في موقع الانهيار، فيما نُقل المصابون إلى المركز الاستشفائي الجامعي بفاس لتلقي العلاج.
كما تم إجلاء قاطني المنازل المجاورة كإجراء احترازي، في وقت يطالب فيه المجتمع المدني والرأي العام بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة المسؤولين دون تردد.