الرئيسية / أقلام الحقيقة / الدريدي يكتب.. تحييد الدين عن السياسة: شرط حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان

الدريدي يكتب.. تحييد الدين عن السياسة: شرط حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان

أقلام الحقيقة
مولاي أحمد الدريدي 25 ديسمبر 2025 - 00:00
A+ / A-

يثير توظيف الدين في الصراع السياسي إشكالات عميقة تمس جوهر العملية الديمقراطية، عندما يتحول التنافس الانتخابي من مجال مدني يقوم على البرامج والاختيارات العمومية، إلى مجال عقدي يقوم على التكفير والتخويف والمتاجرة بالمقدس.

فقد أبانت ممارسات متكررة عن لجوء بعض التيارات، صراحة أو ضمناً، إلى تكفير الخصوم السياسيين، وترهيب الناخبين بعذاب الآخرة، وقلب منطق المنافسة من نقاش عمومي مفتوح إلى اصطفاف ديني مغلق، وهو ما يشكل إخلالاً خطيراً بمبدأ تكافؤ الفرص، واعتداءً على حرية الضمير، وتشويهاً للإرادة الانتخابية، وتوظيفاً غير مشروع للرمزية الدينية.

وتؤكد التجارب المقارنة في عدد من الدول أن الإسلام السياسي غالباً ما يتعامل مع الانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة، لا كآلية تداول ديمقراطي حقيقي. فبمجرد التموقع داخل المؤسسات، تُستعمل هذه الأخيرة لتقييد الحريات، وفرض قراءة أحادية للمجتمع، وتحويل الأدوات الديمقراطية إلى وسائل لتقويض الديمقراطية نفسها من الداخل.

ويتجلى خطر هذا المشروع بشكل أوضح في علاقته بحقوق المرأة والحريات الفردية، إذ يشكل تهديداً مباشراً لورش إصلاح مدونة الأسرة، وتحديث القانون الجنائي، وترسيخ المساواة، وحماية حرية الضمير، وصون الحقوق الفردية.

فهذه التيارات تعارض المساواة الكاملة بين الجنسين، وترفض حرية المعتقد، وتتعامل مع القيم الكونية باعتبارها “وافدة” أو “غربية”، كما توظف فهماً متشدداً للنص الديني لتبرير التمييز والإقصاء.

وقد أظهرت حملات التحريض التي استهدفت المدافعات عن الحقوق الفردية والجمعيات النسائية والنشطاء الحقوقيين أن خطاب الكراهية ليس ظاهرة عابرة، بل جزء من بنية فكرية ممنهجة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل حماية الديمقراطية عن حماية حقوق المرأة والحريات الفردية، ولا عن تحصين حرية الضمير، ولا عن تحييد الدين عن الصراعات السياسية. فالدستور المغربي ينص صراحة على سمو المواثيق الدولية، وضمان حرية الفكر والضمير، والمساواة بين المواطنات والمواطنين، ومنع التحريض على الكراهية، كما يؤكد على حياد الدولة في تدبير الشأن الديني والسياسي. وتدعم هذه المقتضيات التزامات المغرب الدولية، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقيات المناهضة للتمييز، وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة التطرف العنيف، والتي تشدد جميعها على منع استغلال الدين للتحريض، وتجريم خطاب الكراهية، وحماية العملية الديمقراطية من التوظيف العقائدي.

وبناءً على ذلك، فإن إلزام الأحزاب السياسية بميثاق قانوني يمنع استغلال الدين في المنافسة الانتخابية لا يشكل مساساً بحرية التعبير، بل يندرج ضمن حماية النظام العام الديمقراطي، والاستجابة للالتزامات الدولية للمملكة، وتعزيز مصداقية التجربة الديمقراطية. ويقوم هذا الميثاق، كما تقترحه الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب، على منع استعمال الآيات والأحاديث والشعارات الدينية في الحملات الانتخابية، وحظر استغلال المساجد ودور العبادة لأغراض حزبية، وتجريم خطاب التكفير والتخوين الديني، ومنع الجمع بين المسؤوليات الدعوية والسياسية خلال الاستحقاقات الانتخابية، مع إحداث آلية مستقلة لرصد هذا النوع من الخطاب وترتيب جزاءات واضحة تتدرج من الإنذار والغرامة إلى إلغاء النتائج أو المنع من الترشح.

إن الديمقراطية لا تعني التساهل مع من يستعملها لهدمها. فكل حزب يثبت توظيفه للدين، أو تحريضه على الكراهية، أو تهديده للسلم الاجتماعي، ينبغي أن يُمنع من المشاركة الانتخابية حمايةً للنظام العام الديمقراطي، في إطار ما يُعرف بالديمقراطية الدفاعية التي تحمي نفسها من أعدائها دون أن تتناقض مع الحريات.

ويجد المغرب نفسه اليوم أمام لحظة مفصلية، يتقاطع فيها ورش الإصلاح الدستوري والتشريعي مع تصاعد خطاب الكراهية، وتجدد التهديدات الإرهابية، واستمرار محاولات توظيف الدين انتخابياً. ومن ثم، فإن تحصين المسار الديمقراطي يمر حتماً عبر تحييد الدين، ومواجهة مشروع الإسلام السياسي بوصفه مشروع توظيف لا مشروع إيمان، والتأكيد على أن الديمقراطية لا يمكن أن تتعايش مع التكفير والتحريض والكراهية.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة