لم تعد القارة الإفريقية بالنسبة للمغرب مجرد مجال جغرافي للاستثمار أو سوق بديلة لتصريف الرساميل، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى رهان استراتيجي متكامل، يعكس تحولا عميقا في الرؤية الاقتصادية والدبلوماسية للمملكة.
هذا التحول أكّدته معطيات رسمية كشفت عنها وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، والتي أعلنت عن بلوغ حجم الاستثمارات المغربية في إفريقيا خلال سنة 2024 ما يقارب 5 مليارات درهم، أي ما يعادل حوالي 20 في المائة من مجموع الاستثمارات الخارجية للمغرب.
هذه الأرقام لا تكتسي دلالة محاسباتية فحسب، بل تحمل في طياتها مؤشرات واضحة على انتقال المغرب من مرحلة الحضور الاقتصادي الانتقائي إلى بناء نفوذ تنموي منظم، يقوم على ما يمكن وصفه بـ”القوة الاقتصادية الناعمة”، حيث تتداخل المصالح الاستثمارية مع الرهانات الجيوسياسية والتنموية في آن واحد.
فإفريقيا، التي كانت لسنوات طويلة تُدرج في خانة الشراكات التقليدية، أضحت اليوم في صلب التفكير الاستراتيجي المغربي باعتبارها امتدادا طبيعيا وعمقا حيويا للأمن الاقتصادي للمملكة. وهو ما تعكسه تصريحات الوزيرة أمام مجلس المستشارين، التي جاءت لتؤطر هذا التوجه بالأرقام وتمنحه مشروعية سياسية واضحة.
ويبدو أن خصوصية التموقع المغربي داخل القارة لا تنبع فقط من حجم الاستثمارات، بل من طبيعتها واختياراتها القطاعية. إذ تُوجَّه الرساميل المغربية نحو قطاعات تُعد اليوم أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في إفريقيا، وعلى رأسها الأمن الغذائي، الفوسفاط، القطاع البنكي، والبنيات التحتية.
في ملف الأمن الغذائي، على سبيل المثال، يتجاوز الحضور المغربي منطق الربحية المباشرة إلى منطق التأثير الاستراتيجي، من خلال دعم الإنتاج الفلاحي، نقل الخبرة التقنية، وتوفير الأسمدة المكيّفة مع خصوصيات التربة الإفريقية، ما يمنح المغرب موقعا مركزيا داخل واحدة من أكثر القضايا حساسية في القارة.
أما القطاع البنكي، فيمثل أحد أبرز أدوات النفوذ المغربي، حيث استطاعت الأبناك الوطنية ترسيخ حضور قوي في عدد من الدول الإفريقية، مساهمة في تمويل المشاريع الكبرى، ودعم النسيج المقاولاتي المحلي، بما يعزز الثقة في النموذج المالي المغربي ويكرّس صورته كشريك موثوق.
وتكمل البنيات التحتية هذا النسق الاستراتيجي، إذ تشكل مدخلا أساسيا لإعادة تشكيل الفضاء الاقتصادي الإفريقي، ورافعة حقيقية للاندماج الإقليمي، وهو ما ينسجم مع رؤية مغربية أوسع تسعى إلى بناء شراكات طويلة الأمد، عوض الاكتفاء باستثمارات ظرفية أو موسمية.

