مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، تعيش مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، على وقع استعدادات استثنائية تمزج بين الالتزام الديني والتقاليد الحسانية العريقة، فبين جدران البيوت وفي ساحات الأسواق الكبرى، ترسم ساكنة المدينة لوحة اجتماعية تعكس غنى الموروث الثقافي الصحراوي وحفاوة الاستقبال لهذا الضيف العزيز.

تشهد أسواق المدينة، وعلى رأسها “سوق الجمال” و”سوق الزجاج” وشارع “مكة”، حركية تجارية غير مسبوقة، حيث تتسابق الأسر الصحراوية لاقتناء مستلزمات المائدة الرمضانية التي تتميز بخصوصية فريدة، ويعد “اللحم الأحمر”، وخاصة لحم الإبل، المكون الأساسي الذي لا تغيب شمسه عن مائدة الإفطار في العيون، حيث يحرص المواطنون على تأمين أجود الأنواع منذ وقت مبكر.

وإلى جانب اللحوم، تشهد محلات التوابل والتمور إقبالاً كبيراً، خاصة تلك التي توفر مكونات “الزميت” و”البلغمان” (دقيق الشعير المحمص)، وهي عناصر حيوية في النظام الغذائي الصحراوي خلال رمضان، لقدرتها على مقاومة العطش والجوع طيلة نهار الصيام.

تحرص العائلات في العيون على إحياء طقوس “الزريك” (مزيج الحليب والياغورت والماء والسكر) الذي يعد سيد المائدة عند كسر الصيام، تليه “النصيلة” (اللحم المشوي أو المطبوخ).

وتؤكد نساء صحراويات في تصريحات متفرقة أن التحضير لرمضان لا يقتصر على الأكل، بل يشمل أيضاً تهيئة “خيمة” أو ركن خاص في البيت يُفرش بالزرابي التقليدية والوسائد المطرزة، لخلق فضاء روحي واجتماعي يجمع العائلة بعد صلاة التراويح.

لا تكتمل تحضيرات أهل العيون لرمضان دون المرور بمحلات الخياطة وبيع الأثواب، فالمرأة الصحراوية تحرص على اقتناء “ملحفة” جديدة تليق بقدسية الشهر، بينما يتسابق الرجال لتفصيل “دراعيات” مريحة وفخمة لارتدائها في المساجد وخلال الزيارات العائلية.

وتعرف محلات بيع البخور و”العطور” المحلية انتعاشة كبيرة، حيث تُبخر البيوت بأجود أنواع “العود” و”السرغينة” ترحيباً بالشهر الكريم.

بعيداً عن الجانب الاستهلاكي، تتأهب مساجد المدينة، وفي مقدمتها مسجد مولاي عبد العزيز ومسجد خادم الحرمين الشريفين، لاستقبال جموع المصلين، كما تنشط الجمعيات الخيرية والشبابية في المدينة لإعداد “قفة رمضان” ومبادرات الإفطار الجماعي لفائدة الفئات المعوزة وعابري السبيل، في تكريس لقيم التضامن والتعاون التي يتميز بها المجتمع الصحراوي.

وبينما تستعد المدينة لاستقبال الشهر، تتهيأ الساحات الكبرى، مثل ساحة “المشور” وساحة “أم السعد”، لتكون متنفساً للعائلات بعد الإفطار، حيث تمتد السهرات في أجواء من الألفة تحت ضوء القمر، يرافقها “أتاي” (الشاي الصحراوي) الذي يعد طقساً مقدساً يُحضر على مهل، لتكتمل معه فصول الحكاية الرمضانية بمدينة العيون.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store