دخل المغرب مرحلة جديدة من الانخراط العملي في ترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، معلنا استعداده للمساهمة في المسار الأمني والإنساني ضمن مبادرة دولية تروم تثبيت الاستقرار وإعادة البناء.
ويعكس هذا التحرك تموقعا دقيقا للمملكة في تقاطع الدبلوماسية السياسية والمقاربة الأمنية ذات البعد التنموي، بما يعيد التأكيد على خصوصية الدور المغربي في الملف الفلسطيني.
فخلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام بواشنطن يوم 19 فبراير 2026، أعلن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، استعداد المغرب لنشر أفراد من الشرطة المغربية لتدريب القوات المحلية في غزة، مع جاهزية ضباط عسكريين متخصصين للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية المقترحة، فضلا عن إحداث مستشفى ميداني لتقديم خدمات صحية عاجلة للسكان المتضررين.
في قراءة تحليلية لهذا التطور، اعتبر عباس الوردي، أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المبادرة المغربية تجسد “الرؤية الملكية السامية لـالملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، والتي تؤكد باستمرار على حق الفلسطينيين في العيش في أمن وسلام وطمأنينة”.
وأضاف أن انخراط المغرب في البعد الأمني ليس إجراء ظرفيا، بل امتداد لمسار تاريخي في دعم الحقوق الفلسطينية، مقرونا بخبرة تراكمت في مجال مكافحة التطرف وبناء المؤسسات الأمنية.
وأوضح الوردي أن تكليف الشرطة المغربية بتدريب عناصر محلية في غزة يعكس ثقة دولية في النموذج المغربي، خاصة في ما يتعلق بإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية وفق مقاربة توازن بين حفظ النظام واحترام الحقوق. كما شدد على أن المبادرة الإنسانية، من خلال المستشفى الميداني، تؤكد أن الرؤية المغربية لا تختزل الاستقرار في البعد العسكري، بل تربطه بإعادة بناء النسيج الاجتماعي والصحي.
من جهته، قدم الباحث في العلاقات الدولية محمد الشرفاوي في تصريح “لفبراير” قراءة استراتيجية أوسع للتحرك المغربي، معتبرا أن انخراط الرباط في قوة الاستقرار الدولية “يعكس انتقال المغرب من موقع الدعم السياسي التقليدي إلى موقع الفاعل الميداني المسؤول في هندسة مرحلة ما بعد النزاع”. مؤكد أن هذا التموضع يمنح المملكة وزنا إضافيا داخل دوائر صنع القرار الدولي المرتبطة بالملف الفلسطيني.
وأضاف الشرفاوي أن مساهمة المغرب في الترتيبات الأمنية لا يمكن فصلها عن سياق إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، حيث تسعى قوى دولية إلى ضبط مسار إعادة الإعمار ومنع فراغ أمني قد تستثمره أطراف متطرفة. واعتبر أن المغرب، بحكم علاقاته المتوازنة إقليميا ودوليا، قادر على أداء دور الوسيط العملي الذي يجمع بين الشرعية السياسية والخبرة التقنية.
وأشار الباحث ذاته إلى أن المبادرة المغربية تندرج ضمن تصور استراتيجي يقوم على الربط بين الأمن والتنمية، مبرزا أن بناء قدرات محلية في غزة عبر التدريب والتأهيل يساهم في تقليص احتمالات الانزلاق نحو دورات عنف جديدة، ويؤسس لنموذج استقرار قائم على تمكين المؤسسات الفلسطينية بدل الحلول الفوقية المؤقتة.
ويرى متتبعون أن الجمع بين الدعم الأمني، والمساهمة المالية، والبعد الإنساني، يعكس مقاربة شمولية تحاول الرباط من خلالها تأكيد موقعها كفاعل إقليمي مسؤول، قادر على الجمع بين الالتزام الأخلاقي تجاه القضية الفلسطينية والانخراط البراغماتي في ترتيبات دولية معقدة.
في المحصلة، يبدو أن التحرك المغربي في غزة يتجاوز منطق المساهمة الظرفية، ليؤسس لتموقع استراتيجي يعيد تعريف دور المملكة في بيئة شرق أوسطية متحولة، حيث لم يعد يكفي إعلان المواقف، بل باتت الفاعلية تقاس بمدى القدرة على التأثير في مسارات إعادة البناء وصياغة الاستقرار المستدام.

