دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى بلورة استراتيجية وطنية مستقبلية ومستدامة للأغذية، تروم الحد من ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية التي تعرف تفاقما ملحوظا في المغرب، وذلك ضمن رأي قدمه المجلس حول الموضوع خلال عرض رسمي صباح الأربعاء.
وكشف المجلس أن حجم الهدر الغذائي بالمملكة بلغ مستويات مقلقة، حيث يقدر بما يقارب 4.2 ملايين طن من المواد الغذائية سنويا، فيما يتم التخلص من حوالي 40 مليون قطعة خبز يوميا، في وقت يسجل فيه الاستهلاك الوطني من القمح معدلات مرتفعة تصل إلى أربعة أضعاف المتوسط العالمي.
وفي هذا السياق، أكد رئيس المجلس، عبد القادر أعمارة، أن الاستراتيجية الوطنية المقترحة لا تهدف فقط إلى الحد من ضياع وهدر المواد الغذائية، بل تسعى أيضا إلى تعزيز السيادة والأمن الغذائيين، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وترشيد واردات المواد الغذائية ومدخلات الإنتاج، فضلا عن تشجيع نموذج غذائي أكثر استدامة وعدالة اجتماعية وقادرا على الصمود في مواجهة الأزمات.
وأوضح أعمارة أن المجلس يقترح، في أفق بلورة هذه الاستراتيجية، إعداد خطة عمل خاصة للحد من ضياع وهدر الأغذية، يتم إدماجها لاحقا ضمن إطار استراتيجي شامل للتغذية المستدامة، بما يضمن تنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين المعنيين.
ومن بين أبرز التوصيات التي قدمها المجلس، إعداد قانون خاص بمكافحة ضياع وهدر المواد الغذائية، يهدف إلى منع إتلاف المواد الغذائية التي لم يتم بيعها، وتشجيع إعادة توزيعها عبر التبرع بها لفائدة الجمعيات الخيرية ودور الأيتام وبنوك التغذية، إلى جانب تحفيز جني وتسويق المنتجات الفلاحية ذات الجودة المتوسطة التي غالبا ما يتم إهمالها في سلاسل التوزيع.
كما شدد المجلس على ضرورة توضيح وتوحيد ضوابط تاريخ صلاحية المنتجات الغذائية، من خلال التمييز بين عبارة “صالح للاستهلاك إلى غاية” المرتبطة بالسلامة الصحية، وعبارة “يفضل استهلاكه قبل” المرتبطة بجودة المنتج، مع إمكانية مراجعة بعض تواريخ الصلاحية غير الضرورية متى توفرت شروط السلامة.
ودعا المجلس كذلك إلى إرساء آلية حكامة متعددة الأطراف تضم القطاعات الحكومية المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بهدف تنسيق التدخلات وضمان التقائية الجهود الرامية إلى الحد من هذه الظاهرة.
واقترح المجلس أيضا إحداث مرصد وطني لضياع وهدر المواد الغذائية يتولى جمع المعطيات وإنتاج المؤشرات وإعداد تقارير تحليلية ذات طابع استراتيجي، بما يساعد على توجيه السياسات العمومية وتطوير التدابير الملائمة للحد من الخسائر الغذائية.
وفي جانب آخر، أوصى المجلس بتطوير بنيات التخزين والنقل في المناطق الفلاحية، من خلال توفير منشآت تخزين حديثة ومستودعات تبريد تعمل بالطاقة الشمسية، بما يسمح بإطالة مدة حفظ المنتجات القابلة للتلف وتقليص الخسائر المرتبطة بسلاسل التوزيع.
كما اقترح إحداث وحدات محلية لتحويل المنتجات الفلاحية، بما في ذلك وحدات صغيرة متنقلة على مستوى الجماعات الترابية، بهدف تثمين المحاصيل سريعة التلف وتعزيز المسالك القصيرة للتسويق وتقليص عدد الوسطاء، وهو ما من شأنه تحسين دخل المنتجين وتقليص الخسائر المرتبطة بالنقل واللوجستيك.
ودعا المجلس كذلك إلى تشجيع المقاولات العاملة في مختلف حلقات السلسلة الغذائية على التبرع بالفوائض الغذائية، مستندا في ذلك إلى مقتضيات المدونة العامة للضرائب التي تسمح بخصم تكاليف الهبات المقدمة لفائدة الجمعيات ذات المنفعة العامة.
وفي إطار تعزيز الحلول المبتكرة، أوصى المجلس بتطوير تطبيقات رقمية لتدبير المخزون وتتبع مسار المنتجات الغذائية، إضافة إلى دعم المبادرات المواطنة للحد من الهدر الغذائي مثل الثلاجات التضامنية وتطبيقات التبرع بالمواد الغذائية، بما يعزز شبكات التضامن والعمل الخيري.
ويرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن مواجهة ظاهرة الهدر الغذائي لم تعد مسألة تقنية فحسب، بل أصبحت رهانا اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا يقتضي تعبئة مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وقطاع خاص ومجتمع مدني، من أجل بناء نموذج غذائي أكثر استدامة ونجاعة في تدبير الموارد.