عاد الجدل حول أسعار المحروقات في المغرب ليتصدر النقاش السياسي والبرلماني، في ظل موجة ارتفاعات جديدة ارتبطت بتقلبات السوق الدولية، خصوصاً على خلفية التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. غير أن حدة هذه الزيادات في السوق الوطنية، وسرعة انتقالها إلى المستهلك، أعادتا طرح تساؤلات جوهرية حول دور الحكومة في ضبط القطاع، ومدى فعالية الآليات القانونية والتنظيمية المتاحة لحماية القدرة الشرائية.
في هذا السياق، عبّر النائب البرلماني رشيد حموني عن موقف نقدي واضح، معتبراً أن الزيادات الأخيرة في أسعار الغازوال والبنزين، والتي بلغت “درهمين ودرهماً ونصف”، لها انعكاسات مباشرة على كلفة النقل وأسعار المواد الاستهلاكية والغذائية. وأكد أن هذه الوضعية “تؤثر سلباً على كلفة مدخلات الإنتاج وعلى حياة المقاولات المغربية، مما يؤدي إلى الاستياء ومخاطر الاحتقان”، داعياً إلى تدخل حكومي عاجل لتفادي اتساع دائرة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، دعا حموني إلى اعتماد إجراءات ملموسة، من بينها “التسقيف المرحلي لأسعار المحروقات”، إلى جانب تفعيل آليات المراقبة والزجر، ومواجهة ما وصفه بـ“الممارسات المنافية للمنافسة النزيهة”، معتبراً أن السوق الوطنية لم تعد تعكس بشكل متوازن تطور الأسعار الدولية، خاصة في ظل ما سماه “المفارقة” بين سرعة الارتفاع وبطء الانخفاض.
من جهته، أثار المستشار البرلماني خالد السطي نفس الإشكال من زاوية ترتبط بتدخل الدولة، حيث أكد أن بعض شركات التوزيع أقدمت على زيادات “قاربت 20 في المائة”، وهو ما “أثار قلقاً واسعاً في صفوف المواطنين”، بالنظر إلى تأثيره المباشر على القدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج. كما تساءل عن مدى لجوء الحكومة إلى الآليات القانونية التي يتيحها قانون حرية الأسعار والمنافسة، والتي تخول لها التدخل الاستثنائي لتقنين الأسعار لفترة محددة.
السطي شدد كذلك على أن ارتفاع الأسعار يأتي في سياق يطرح تساؤلات حول احترام الالتزامات القانونية المتعلقة بالمخزون الاستراتيجي للمحروقات، معتبراً أن عدم وضوح هذا الجانب يعمق حالة القلق، ويدفع إلى المطالبة بتدخل حكومي أكثر صرامة لضبط السوق وضمان استقرارها.
وتلتقي مواقف حموني والسطي في التأكيد على أن العوامل الخارجية، رغم أهميتها، لا تبرر وحدها حجم الزيادات المسجلة، بل إن هناك اختلالات داخلية محتملة في السوق الوطنية، سواء على مستوى المنافسة أو على مستوى آليات التتبع والمراقبة. وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة: التعامل مع انعكاسات الظرف الدولي، وفي الوقت نفسه معالجة الأعطاب البنيوية التي يعرفها القطاع.
في المقابل، تظل الحكومة مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق بين احترام قواعد السوق الحرة، التي يقوم عليها نظام تحرير الأسعار، وبين التدخل لحماية القدرة الشرائية في حالات الأزمات. فالتدخل المباشر عبر التسقيف أو الإجراءات الجبائية يظل خياراً استثنائياً، لكنه يصبح مطروحاً بقوة في سياقات تتسم بارتفاع غير متحكم فيه للأسعار.
كما يطرح هذا النقاش مجدداً مسألة السيادة الطاقية، في ظل استمرار إغلاق مصفاة “لاسامير”، وهو ما يجعل السوق الوطنية أكثر عرضة لتقلبات السوق الدولية، ويقلص من هامش تدخل الدولة في ضبط الأسعار.