تغيش مدينة العيون والمناطق المجاورة لها على وقع تساقطات مطرية هامة، لتعيد رسم ملامح الأمل على وجوه الفلاحين ومربي الماشية (الكسابة)، هذه الزخات التي تأتي في توقيت استراتيجي من فصل الربيع، لا تُعد مجرد ظاهرة مناخية، بل هي شريان حياة يضخ الدماء في عروق القطاع الفلاحي والرعوي بالصحراء المغربية لموسم 2026.
وفقاً للبيانات الصادرة عن المديرية الوطنية للأرصاد الجوية ليومه 27 مارس، سجلت جهة العيون-الساقية الحمراء مقاييس تتراوح ما بين 15 و25 ملم في ظرف وجيز، مع توقعات باستمرار السحب الماطرة نحو أقاليم بوجدور والسمارة.
ونتجت هذه التساقطات عن منخفض جوي قادم من المحيط الأطلسي، وهي استثنائية من حيث شموليتها للمناطق الجنوبية، مما سيساهم بشكل مباشر في رفع نسبة ملء الآبار الجوفية وتحسين جودة التربة التي عانت من فترات جفاف متقطعة.”
في ضواحي مدينة العيون، وتحديداً في منطقة الدشيرة، رصدت عدسة كاميرا “فبراير”، تحركاً نشطا لقطعان الإبل والماشية نحو المساحات التي بدأت تكتسي حلة خضراء. بالنسبة لـ “الكساب” الصحراوي، المطر يعني تراجع تكاليف الأعلاف التي تثقل كاهله.
يقول أحمد ولد البشير، وهو مربي إبل بالمنطقة: “كنا نترقب هذه الأمطار بفارغ الصبر. المطر في مارس هو الذهب الأسود بالنسبة لنا.،بفضل هذه التساقطات، ستمتلئ “الغدران” (أحواض تجميع المياه)، وستنمو النباتات الرعوية مثل الطلح والشيح، وهو ما سيعفينا من شراء الأكياس الغالية للأعلاف الصناعية لشهور قادمة.”
وتعتبر هذه الأمطار محركا اقتصاديا بامتياز؛ فالمراعي الطبيعية القوية تعني جودة أفضل للحوم الحمراء وحليب الإبل، وهو ما يرفع القيمة السوقية للمواشي في أسواق المنطقة. كما تعزز هذه التساقطات آفاق الزراعات العلفية والكلئية التي تعتمد عليها التعاونيات الفلاحية الكبرى في العيون.
ويؤكد الخبير الاقتصادي في الشؤون الفلاحية، الدكتور محمد الإدريسي: “إن انتعاش الغطاء النباتي في الأقاليم الجنوبية يقلل من الفاتورة الطاقية والمالية التي تخصصها الدولة لدعم الشعير والأعلاف. نحن أمام فرصة حقيقية لتحقيق طفرة في الإنتاج الحيواني لهذا الموسم، مما سينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار أسعار اللحوم.”
ومن جهة أخرى، بينما تكتسي فيافي جهة العيون-الساقية الحمراء حلة خضراء بفضل التساقطات المطرية الأخيرة، وبدلاً من أن تنعكس “وفرة الكلأ” انخفاضاً في أثمنة المواشي، صُدم المستهلك المحلي بـ “قفر” في جيوبه نتيجة الارتفاع الصاروخي لأسعار لحوم الإبل.
ودقت الجمعية المغربية لحماية المستهلك بالعيون ناقوس الخطر، واصفة هذه الزيادات بـ “غير المبررة’ والمنافية للمنطق الاقتصادي، لترفع بذلك ملف ‘غلاء المائدة الصحراوية’ إلى مكاتب والي الجهة ووزير الفلاحة.”
وفي بيان صحفي توصلت الجريدة بنسخة منه، أشارت الجمعية إلى أن هذه الزيادات غير المسبوقة تأتي في وقت شهدت فيه المنطقة تحسناً ملحوظاً في التساقطات المطرية ووفرة في المراعي، وهو ما يتناقض صارخاً مع المنطق الاقتصادي للسوق. وأضافت الجمعية أن لحم الإبل (بما في ذلك الحليب والذروة والكبدة) يمثل مادة أساسية لا غنى عنها في المائدة اليومية للمواطن بجهة العيون، فضلاً عن أهميتها القصوى في المناسبات الاجتماعية والأعراس.
ويأتي هذا الغلاء، حسب نص البيان، في سياق زمني حرج يتسم بارتفاع أسعار المحروقات، وعلى أعتاب عيد الأضحى المبارك، مما يضاعف الضغوط المالية على الأسر ويهدد قدرتها الشرائية بشكل مباشر. وتساءلت الجمعية عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الوضع في ظل غياب أي مبرر موضوعي لهذه الزيادات المتتالية خلال فترة وجيزة.
وأمام هذا الوضع “غير الطبيعي”، أعلنت الجمعية عن اتخاذ خطوات تصعيدية من خلال مراسلة كل من والي جهة العيون الساقية الحمراء، ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. وتهدف هذه المراسلات إلى اطلاع الجهات المسؤولة على معاناة المستهلكين والمطالبة بفتح تحقيق عاجل وشفاف للوقوف على ملابسات هذا الارتفاع، وكشف العوامل الحقيقية التي تقف وراءه.
كما شددت الجمعية على ضرورة تفعيل آليات ضبط السوق وتكثيف الرقابة لضمان احترام قانون العرض والطلب وحماية المواطنين من أي تلاعبات محتملة.
وختمت الجمعية بيانها بالتأكيد على أنها بصدد التنسيق مع الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك للإشراف على تتبع هذه المراسلات، مع تجديد دعوتها للسلطات الوصية لتحمل مسؤولياتها في حماية الاستقرار الاجتماعي وضمان أسعار عادلة للمواد الأساسية التي تمس القوت اليومي لساكنة الأقاليم الجنوبية. اريد مقدمة

