أكد السفير الفرنسي لدى المملكة المغربية، كريستوف لوكورتييه، على العمق الاستراتيجي والثقافي الذي يجمع بين باريس والرباط، معتبراً أن الثقافة والأدب يمثلان الجسر المتين والمنطلق الأساسي لبناء رؤية مستقبلية مشتركة بين البلدين.
وفي حديثه عن المشاركة الفرنسية المرتقبة في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط (SIEL)، الذي تنطلق فعالياته في 30 أبريل الجاري، أوضح لوكورتييه أن اختيار فرنسا كضيف شرف يأتي رداً للجميل، واحتفاءً بالشراكة المتميزة التي تجسدت العام الماضي عندما كان المغرب ضيف الشرف الرئيسي في معرض باريس للكتاب تحت أقبية “القصر الكبير” العريق.
وأشار السفير إلى أن الجناح المغربي في باريس كان منارة اجتمع فيها الكتاب والناشرون والموسيقيون، وهو ما تسعى فرنسا لتكراره في الرباط بوفد رفيع المستوى يضم شخصيات بارزة، من بينها وزيرة الثقافة الفرنسية الجديدة (كاترين بيغارد)، في أول رحلة خارجية لها، لتفتتح المعرض إلى جانب وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي، محمد المهدي بنسعيد.
ولم يغفل لوكورتييه الإشارة إلى التحديات المعاصرة التي تواجه الثقافة، مشدداً على أن المعرض سيركز بشكل خاص على فئة الشباب. وقال السفير: “هناك تحدٍ كبير يتمثل في الاستمرار في جذب اهتمام الشباب بالقراءة، في وقت تسرق فيه الشاشات والهواتف وأجهزة الآيباد كل الانتباه”.
وأضاف أن الهدف هو إثبات أن “الكتاب لا يزال هو الوسيلة الرئيسية للتواصل بين الشعوب”، سواء كان ذلك عبر اللغة العربية أو الفرنسية، أو من خلال الكتاب المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية، مؤكداً على أهمية الترجمة كأداة للتقارب.
وفي كشف لافت عن طبيعة العلاقات الدبلوماسية المقبلة، أعلن لوكورتييه أن جلالة الملك محمد السادس ورئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون، قد أسندا لمجموعة من الشخصيات الثقافية والكتاب مهمة “صياغة معاهدة” فريدة من نوعها.
وأوضح السفير أن هذه المعاهدة لن تكون مجرد وثيقة سياسية جافة، بل ستكون رؤية أصلية وطموحة يصيغها المثقفون لتوضيح مسار المستقبل بين دولة من الجنوب (أفريقية) ودولة من الشمال (أوروبية). ومن المتوقع أن يتم توقيع هذه المعاهدة في وقت لاحق من هذا العام، لتكون تتويجاً لمرحلة جديدة من التعاون.
واختتم لوكورتييه تصريحاته بالتأكيد على أن الأدب هو “المصفوفة” و”المتجه الرئيسي” للعلاقات بين الشعوب. فمن خلاله يتم التبادل بناءً على الهوية المشتركة، وعبره يُرسم مسار المستقبل بحرية، بعيداً عن القوالب الدبلوماسية التقليدية، مما يجعل من معرض الرباط للكتاب محطة سياسية وفكرية تتجاوز حدود عرض الكتب إلى صناعة التاريخ المشترك.
أكد عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، على الدور الجوهري الذي تلعبه القراءة في صياغة مستقبل المغرب القائم على المعرفة، معتبراً أن احتضان الرباط للمعرض الدولي للنشر والكتاب هو تكريس لمكانتها كعاصمة عالمية للثقافة تستحق هذا الفخر بجدارة.
وفي تصريح له على هامش افتتاح فعاليات المعرض، عبّر السيد الوزير عن سعادته بالأجواء التي تعيشها العاصمة، مشيراً إلى أن الرباط اليوم تبرهن للعالم أنها مركز حضاري حي، وأن استضافتها لهذا الحدث الممتد هو تتويج لمسار من الإشعاع الثقافي الذي انخرطت فيه المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة.
وبصفته مسؤولاً عن قطاع التعليم العالي، قدم الميداوي رؤية تربوية وفلسفية للقراءة، موضحاً أنها “تتجاوز حدود تحصيل المعلومات”. وقال الوزير: “القراءة هي المقومة الأساسية للحضارة واستمراريتها، وهي الضامن للتوازن النفسي للفرد، واللبنة الأولى لبناء الفكر الحر والمنتقد.”
وشدد الوزير على أن التحدي اليوم هو تحويل القراءة إلى أداة لتمكين الشباب من مهارات التحليل والربط، بدلاً من التلقي السلبي، ليكونوا قادرين على مواجهة تعقيدات الحياة المعاصرة بفكر مستنير ورؤية ثاقبة.

