بأدب جمّ وبلغة مغربية أصيلة، غاص دافيد طوليدانو في أعماق التاريخ المغربي، مستحضراً تفاصيل حياة الطائفة اليهودية التي امتدت لأكثر من ألفي سنة على أرض المملكة. طوليدانو، في حديثه الشيق، لم يتحدث عن اليهود كـ”أقلية”، بل كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، مؤكداً أن “اليهود المغاربة هم مغاربة بنسبة تفوق 100%”.

أوضح طوليدانو أن الوجود اليهودي لم يقتصر على المدن الكبرى كفاس ومراكش ومكناس، بل امتد ليشمل ثغور الموانئ (طنجة، تطوان، الصويرة، آسفي) والمناطق الداخلية والجنوبية مثل سفرو، تارودانت، وصولاً إلى قصور تافيلالت.
وكشف المتحدث عن معطيات ديموغرافية لافتة؛ ففي القرن التاسع عشر، كان اليهود يشكلون أغلبية في بعض الحواضر، كما هو الحال في مدينة “دبدو” (10 آلاف يهودي مقابل 5 آلاف مسلم)، ومدينة الصويرة التي ضمت في وقت ما 17 ألف يهودي مقابل 10 آلاف من المسلمين، مما يعكس عمق التجذر اليهودي في التربة المغربية.

وحول مفهوم “الملاح”، فكك طوليدانو الصورة النمطية التي تراه مكاناً للعزل، موضحاً أنه كان “فضاءً للتسيير الذاتي” وضرورة لتطبيق الشعائر الدينية. فالسكن المتقارب كان يهدف إلى تيسير الوصول للمعبد مشياً في “السبت”، وضمان توفر الطعام “الكاشير”، وتشكيل “المينيان” (نصاب الصلاة المكون من 10 رجال).

ووصف طوليدانو بدقة الهيكلة الإدارية للملاح، والتي كانت تضم “شيخ اليهود” المسؤول عن النظام، و”النقيد” الذي يمثل الجمعية أمام السلطة، ومجلس “الماماد” المكون من أعيان الطائفة، بالإضافة إلى “الحكام” (الحاخامات) الذين يسهرون على الشأن الديني.

بذاكرة بصرية حية، استعاد طوليدانو تفاصيل يومية غابت عن جيل اليوم؛ مثل “البراح” الذي كان يجوب دروب الملاح فجراً ليوقظ الناس للصلاة بأسماءئهم، وإغلاق المحلات التجارية قسراً عصر الجمعة استعداداً للسبت. كما عرج على الاحتفالات الاجتماعية كـ “البار ميتسفا” (بلوغ الطفل 13 سنة)، حيث يتحول الصبي إلى رجل مسؤول يزف في الشوارع على إيقاع الموسيقى والآلات الوترية، مستحضراً أسماء فنية خالدة كزهرة الفاسية وسامي المغربي.

ولم يفت طوليدانو ذكر “تقطير المحيا” في البيوت المغربية اليهودية، وكيف كان الأطفال يشاركون في عملية عصر العنب بالأرجل في أجواء احتفالية تطبعها البهجة والتعاون الاجتماعي.

أشار طوليدانو إلى ميزة فريدة طبعت المغرب، وهي تطبيق “القانون العبري” في قضايا الأحوال الشخصية (الزواج، الطلاق، الإرث) للمواطنين اليهود، وهو استثناء قانوني يعكس احترام المملكة لخصوصيات مكوناتها.
وفي ختام مداخلته، شدد طوليدانو على الرابطة المقدسة التي تجمع يهود المغرب بملوك الدولة العلوية، بدءاً من المغفور له محمد الخامس، مروراً بالحسن الثاني، ووصولاً إلى الملك محمد السادس. وأكد أن هذه المحبة هي التي تدفع أكثر من مليون يهودي مغربي عبر العالم للحفاظ على صلة وصل عميقة بوطنهم الأم، والعودة لزيارة جذورهم بشوق لا نظير له في أي طائفة يهودية أخرى في العالم.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store