مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، بدأت أسواق المواشي بمدينة طنجة تستقبل تباعاً قطعان الأغنام القادمة من مختلف مناطق المملكة. وفي خضم النقاش الدائر حول الأسعار والدعم الحكومي، تبرز شهادات الكسابة (مربي الماشية) لتسلط الضوء على تفاصيل خفية تتحكم في بورصة “الحولي”، أبرزها أزمة اليد العاملة أو ما يُعرف بـ”السارح”.

في أحد أسواق مدينة طنجة، يقف كساب قادم من منطقة خنيفرة، المعروفة بجودة أغنامها، ليعرض سلعته التي يصفها بـ”المنقية والممتازة”. يؤكد هذا المربي أن الأسعار مرتبطة بشكل مباشر بالجودة، قائلاً: “السلعة الزينة ثمنها فيها”.

وعن لغة الأرقام، يوضح الكساب الخنيفري أن الأسعار لديه تتأرجح بين 4400 درهم كأدنى ثمن متوفر لديه، وتصل إلى 5000 درهم فما فوق للأكباش ذات الجودة العالية (الثني والمليح). بل إن بعض الرؤوس تباع بأسعار تتراوح بين 5600 و5700 درهم. وعند سؤاله عن الأكباش الرخيصة أو الاقتصادية، كان رده حاسماً: “ليس لدي حولي رخيص، أقل ثمن هو 4400 درهم، والسلعة الممتازة قليلة ومكلفة”.

بعيداً عن الأعلاف، يفجر هذا الكساب قضية جوهرية يرى أنها السبب الرئيسي في غلاء الأغنام، وهي غياب اليد العاملة وتحديداً “السارح” (الراعي). يتحسر المتحدث على واقع المهنة اليوم، مشيراً إلى أن الشباب عائلوا عن ممارسة هذا العمل الشاق مفضلين الجلوس أمام الهواتف الذكية.

ويضيف بلغة مليئة بالمرارة: “الدراري ما بغاو يسرحوا، قعدوا للتليفون… يقولون لنا هبلتنا الحرفة ولن نتبعها. اليوم، السارح هو رأس المال الحقيقي، يمكنك شراء الغنم لكن إن لم تجد من يرعاها ويقابلها فستضيع”.

ويقدم الكساب حسبة بسيطة لتوضيح التكلفة: “الحولي الذي تشتريه مثلاً بـ 1500 درهم، تضطر لصرف 1500 درهم أخرى عليه كأعلاف ورعاية طيلة العام حتى يصل إلى ثمن 3000 درهم كلفة إجمالية، ناهيك عن مجهودك الشخصي الذي يذهب سدى في غياب راعٍ محترف”.

وفي رد على الاتهامات الموجهة للكسابة باستغلال المواطنين رغم تلقيهم دعماً حكومياً، لم ينفِ المربي استفادته من الدعم، حيث قال: “شدينا الدعم الحمد لله، الله يجعل البركة”. لكنه سارع إلى التوضيح بأن هذا الدعم يوجه بالأساس للحفاظ على النسل (النعجة)، ولا يشمل بالضرورة أكباش العيد.

ويؤكد المتحدث أن “الدعم يصبر في النعجة، أما الحوالة الموجهة للذبح فلا يشملها”، معتبراً أن هذا هو السبب وراء عدم انخفاض أسعار الأضاحي بالشكل الذي توقعه المواطنون.

رغم تطميناته بأن “الخير موجود والسلعة ما زالت تدخل الأسواق، وكلشي غادي يعيّد”، إلا أن المربي الخنيفري لم يُخفِ خيبة أمله من الإقبال الضعيف حتى الآن في سوق طنجة، حيث لم يبع سوى 7 أو 8 رؤوس فقط.

ويكشف الكساب أنه غير وجهته هذا العام نحو طنجة بعد 20 عاماً من العمل في أسواق مدينة تطوان، وهو قرار أبدى ندماً خفيفاً عليه، قائلاً: “والله ندمت.. زبائني القدامى يتصلون بي ليسألوا عني في تطوان.. السوق في طنجة ضعيف حالياً، لكن في النهاية هو كتاب الله وأرزاق مقسمة، ونسأل الله التيسير”.

بين غلاء الأعلاف، وأزمة الرعاة، وانتظار الزبون لـ”الهمزة”، يبقى سوق الأضاحي هذا العام مسرحاً لتجاذبات اقتصادية واجتماعية، أبطالها مواطن يشتكي الغلاء، وكساب يشتكي الجفاء وانعدام الخلف في المهنة.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store