تقرير أمريكي: المغرب يودع دور “الدولة العازلة” ويبرز كـ”قوة وسطى”

لم يعد المغرب مجرد جدار أو “دولة عازلة” تعتمد عليها أوروبا لصد موجات الهجرة؛ بل تحول بخطى ثابتة إلى “قوة وسطى متمرسة” وفاعل إقليمي نشط ومرتكز استقرار راسخ عند تقاطع القارة الإفريقية وأوروبا. هذا ما خلص إليه تقرير حديث واستراتيجي صادر عن مركز “ستيمسون” (Stimson Center) الأمريكي للأبحاث.

التقرير، الذي يقدم قراءة تحليلية شاملة لمسار المملكة، أكد أن المغرب استثمر، في عهد الملك محمد السادس، موقعه الجغرافي الفريد عند ملتقى الأطلسي والمتوسط والفضاء الساحلي، ليُعيد رسم الهندسة الاستراتيجية للمنطقة المغاربية. وتعتمد الرباط في ذلك على سياسة خارجية يصفها المحللون بـ”المعاملاتية الاستراتيجية”، والتي تقوم على “التوافق الانضباطي للمصالح”، حيث تمزج الدبلوماسية بالاقتصاد وفق مقاربة براغماتية مرنة.

اقتصادياً، رصد التقرير التحول الجذري للمغرب من منصة تصنيع تعتمد على “التكلفة المنخفضة” إلى مُصدِّر صناعي “رفيع التقنية”. فالمملكة اليوم تتربع على عرش صناعة السيارات في إفريقيا، وتبرز كمركز ناشئ لمواد البطاريات، ورائد إقليمي في الطاقات الخضراء، مدعومة باحتياطياتها الهائلة من الفوسفاط.

هذا التحول تعززه بنية تحتية عالمية، يتصدرها ميناء “طنجة المتوسط” الذي تحول إلى واحد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. وبلغة الأرقام، استقبل الميناء خلال عام 2024 نحو 10.2 مليون وحدة مكافئة، متفوقاً بأشواط على نظيره الإسباني “الجزيرة الخضراء” (4.7 ملايين وحدة)، ليمر عبره 10 في المائة من حجم التجارة البحرية الدولية سنوياً.

ورغم هذه النجاحات، لم يغفل التقرير الأمريكي الإشارة إلى ما وصفه بـ”الرياح المعاكسة الحادة” التي تواجه طموحات المملكة، والمتمثلة أساساً في الشح المائي الهيكلي، وارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب، فضلاً عن ثقل الاقتصاد غير المهيكل.

لمواجهة هذه الهشاشات الهيكلية، أشار المركز الأمريكي إلى أن التماسك الاجتماعي يشكل الدينامية الثانية للمملكة. ووصف ورش “الحماية الاجتماعية” الذي أُطلق عام 2021 بأنه “المشروع الداخلي الأكثر طموحاً منذ جيل”.

وقد أثمر هذا المشروع نتائج ملموسة، حيث حقق المغرب بحلول عام 2024 تغطية صحية أساسية شملت 88 في المائة من السكان، في إطار تفعيل مخرجات “النموذج التنموي الجديد” الذي يضع الأسس لاستراتيجية نمو شامل ومستدام في أفق عام 2035.

على المستوى الخارجي، كشف التقرير حجم الانفتاح الاقتصادي للمغرب، حيث تمثل التجارة نحو 95 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي لعام 2025.

ويظل الاتحاد الأوروبي الشريك الأول (59% من حجم التبادل المالي وتستوعب أسواقه 68% من الصادرات المغربية). وتوجت هذه الشراكة التاريخية بإطلاق “الشراكة الخضراء” (2022)، و”ميثاق المتوسط” (نونبر 2025)، إلى جانب حزمة دعم أوروبي مهولة للإصلاحات بلغت 2.48 مليار درهم عام 2025.

بالموازاة مع ذلك، تحول المغرب إفريقياً إلى مستثمر رئيسي منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي (2017) وانضمامه لمنطقة التجارة الحرة القارية.

أما خارجياً، فيلعب المغرب ورقة التوازن بذكاء؛ فمن جهة عمق شراكته مع الولايات المتحدة (بدعم أمريكي سنوي للجيش بـ30 مليون دولار ومناورات الأسد الإفريقي)، خصوصاً بعد الاعتراف التاريخي بمغربية الصحراء (2020)، واستثمر “اتفاقيات إبراهيم” لفتح آفاق تعاون تكنولوجي وزراعي ودفاعي غير مسبوق مع إسرائيل. ومن جهة أخرى، ينخرط بقوة في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية لجذب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مثل “مدينة محمد السادس طنجة تك”.

توقف التقرير عند التوترات الإقليمية، مسجلاً الفارق في النهج بين الجزائر والمغرب. ففي الوقت الذي تدعم فيه الجزائر “جبهة البوليساريو” عسكرياً ومالياً وتغلق مجالها الجوي وحدودها، تتضح معالم السباق نحو التسلح بميزانية جزائرية بلغت 25 مليار دولار لعام 2025، مقابل 13 مليار دولار للمغرب.

ومع ذلك، يسجل التقرير احتفاظ الرباط بمقاربة “اليد الممدودة”، إذ وجه الملك محمد السادس دعوة للرئيس الجزائري للتحاور بـ”إخلاص وإخاء” عقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 (لعام 2025) الداعم لمقترح الحكم الذاتي.

وكشف التقرير نقلاً عن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، أن إدارة الرئيس “ترامب” تبذل جهوداً حثيثة للتوصل إلى اتفاق مغربي-جزائري، وهو اتفاق يرى المراقبون أنه سيغير وجه المنطقة من خلال دمج الاقتصاد المغاربي ومحاصرة الهجرة وتجفيف منابع الإرهاب في الساحل.

يُنهي تقرير “ستيمسون” قراءته بتأكيد أن المغرب الذي حقق استقراراً نموذجياً وانتقالاً للطاقة المتجددة على مدى العقدين الماضيين، يقف اليوم أمام اختبار حاسم: إنجاح رؤية 2035. وهو نجاح يبقى، وفق الخبراء، مشروطاً باستدامة النمو، وخلق فرص الشغل للشباب، وتجاوز أزمة المناخ والمياه، ليُكرس بذلك موقعه النهائي كجسر آمن ومزدهر بين قارات العالم.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store