في مبادرة ثقافية تسلط الضوء على أحد مكونات الذاكرة المغربية متعددة الروافد، احتضن متحف اليهودية المغربية بالدار البيضاء، بشراكة مع معهد سرفانتس، عرض الفيلم الوثائقي “حكيتية، حكيتية” للمخرجين لين أمسيلم وبيير-إيمانويل ديرسوار-فيرماندي، وهو عمل يفتح نافذة على لغة «الحكيتية» اليهودية-الإسبانية المهددة بالاندثار.
ويقدّم الفيلم رؤية حميمة ومفعمة بالفكاهة حول هذه اللغة التي كانت متداولة بين يهود شمال المغرب، قبل أن تتراجع بفعل الهجرة والتحولات الاجتماعية والثقافية. ومن خلال شهادات شخصية وحكايات عن المنفى والهوية، يرصد العمل السينمائي ذاكرة جماعية تحمل في طياتها مزيجا من الثقافة المغربية والإسبانية واليهودية.
وتنطلق الأكاديمية والكاتبة لين أمسيلم، بطلة الفيلم وأحد مخرجيه، من تجربة شخصية مؤثرة، إذ تعبّر عن أسفها لعدم احتفاظها بتسجيلات صوتية لوالدتها، ما يدفعها إلى البحث في باريس عن أصدقاء ومتحدثين بلغة «الحكيتية» لاستعادة أصوات الماضي وحفظها من النسيان. وأمام كاميرا بيير-إيمانويل ديرسوار-فيرماندي، تتوالى شهادات مليئة بالحنين والطرافة، تكشف تفاصيل حياة وذكريات ارتبطت بهذه اللغة الفريدة.
ويُعد «حكيتية، حكيتية» أول فيلم وثائقي مخصص بالكامل للثقافة اليهودية الإسبانية المغربية ولغتها، في خطوة تروم التعريف بهذا التراث غير المادي وإثارة النقاش حول أهمية صونه ونقله إلى الأجيال المقبلة.
وعقب عرض الفيلم، نُظم حوار مفتوح مع لين أمسيلم، التي تُعد من أبرز الباحثات المتخصصات في الأدب الإسباني واللغة اليهودية-الإسبانية المغربية. وتشغل أمسيلم منصب ملحقة لغوية للغة الإسبانية وأستاذة متفرغة بجامعة بوليتكنيك أو دو فرانس، كما عُرفت بترجماتها ودراساتها التي تناولت أعمال شعراء وكتاب كبار، من بينهم فيديريكو غارسيا لوركا ولوبي دي فيغا.
كما أسست الباحثة سنة 2012 ورشة لتعليم «الحكيتية» بمعهد سرفانتس في باريس، وأسهمت في مشاريع ثقافية وسينمائية تهدف إلى حفظ الذاكرة اليهودية المغربية وإحياء لغتها وتراثها.
ويأتي عرض هذا الفيلم في سياق الاهتمام المتزايد بالتعدد الثقافي المغربي، وبأهمية الحفاظ على اللغات والتقاليد التي شكلت عبر قرون جزءا من الهوية المغربية الغنية والمتنوعة.

