في ثالث أيام عيد الأضحى، يستعيد سوق الجلد بمراكش إيقاعه المعتاد بعد يومين من الانشغال بذبح الأضاحي والزيارات العائلية. قرب أسوار المدينة العتيقة، تبدو الحركة مختلفة عن باقي أيام السنة، أكوام الجلود تتصدر المشهد، وروائح الدباغة تمتزج بحرارة الصيف وصوت العربات اليدوية التي تشق الأزقة الضيقة بصعوبة وسط الزحام.

منذ الصباح، يتوافد عشرات المهنيين والسماسرة على السوق بحثا عن جلود الأضاحي، فيما يجلس بعض الحرفيين أمام محلات صغيرة امتلأت بالجلود الطرية التي ما تزال تحمل آثار العيد. الحركة هنا لا تهدأ، والوجوه المتعبة تواصل المساومة حول الأسعار والجودة، في مشهد يعكس واحدا من أكثر المواسم أهمية بالنسبة للعاملين في قطاع الجلد التقليدي بالمدينة الحمراء.

وسط السوق، يراقب شيوخ المهنة تفاصيل الجلود بعين خبيرة لا تخطئ العيوب، بينما ينشغل شبان بنقل البضائع أو تنظيف المساحات الضيقة استعدادا لاستقبال كميات جديدة. أصوات مرتفعة تتداخل مع ضجيج الدراجات النارية وصياح الباعة، وكأن السوق يعيش سباقا مع الوقت قبل أن تفقد الجلود قيمتها أو تتأثر بحرارة الطقس.

وعلى مقربة من السوق، يجلس بعض السكان أمام أبواب المنازل العتيقة يتابعون الحركة غير المعتادة التي يعرفها الحي خلال هذه المناسبة. أطفال يراقبون أكوام الجلود بفضول، وشبان يساعدون أقاربهم في نقلها أو تعليقها تحت أشعة الشمس، فيما تختلط الأحاديث اليومية بتفاصيل العيد وأسعار الأضاحي وأخبار الموسم الفلاحي. الحياة هنا تبدو مرتبطة بشكل كامل بإيقاع السوق وما يفرضه من حركة استثنائية كل سنة.

داخل بعض الورشات الصغيرة، يواصل الصناع التقليديون عملهم بهدوء وسط رائحة الجلد القوية. أيد متشققة من سنوات المهنة تتحرك بسرعة فوق القطع الجلدية، في محاولة للحفاظ على حرفة قديمة تواجه صعوبات كثيرة مع تغير أنماط الاستهلاك وتراجع الإقبال على المنتوج التقليدي. ورغم ذلك، يصر كثيرون على التشبث بالمهنة التي توارثوها عن الآباء والأجداد، معتبرين أن الجلد جزء من ذاكرة مراكش وهويتها الحرفية.

ورغم الأجواء الحيوية، لا يغيب الحديث عن تراجع المداخيل وارتفاع تكاليف المعيشة. بعض التجار يؤكدون أن الموسم لم يعد كما كان في السابق، بسبب تغير عادات الاستهلاك وارتفاع أسعار الأضاحي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حركة البيع والشراء داخل السوق. ومع ذلك، يظل ثالث أيام العيد موعدا ينتظره المهنيون كل سنة، باعتباره فرصة لتحريك تجارة ترتبط بواحدة من أقدم الحرف التقليدية في مراكش.

في سوق الجلد، لا تبدو الجلود مجرد بقايا عيد عابرة، بل مادة أولية تحمل ذاكرة مدينة كاملة. هنا، داخل الأزقة العتيقة، تتحول تفاصيل بسيطة إلى حكايات يومية عن مهنة تقاوم التغير، وعن رجال اعتادوا تحويل الجلد الخام إلى جزء من هوية مراكش التقليدية.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store