في قلب مدينة مراكش النابض بالحياة، وتحديدا بساحة جامع الفنا، يظل فن الحلقة واحدا من أعرق أشكال الفرجة الشعبية التي تختزل ذاكرة المدينة وروحها الثقافية، حيث يلتقي الحكي بالموسيقى والفرجة في فضاء مفتوح لا يعرف الجدران ولا الحواجز.
فن الحلقة، أو “الحلاقي”، هو تقليد شفهي يقوم على تشكيل دائرة بشرية يعتلي وسطها الحكواتي أو الفنان الشعبي، ليقدم عروضا تجمع بين السرد القصصي، الكوميديا، الغناء، وأحيانا الألعاب البهلوانية، في تفاعل مباشر مع الجمهور الذي لا يكتفي بالمشاهدة بل يصبح جزءا من العرض. ويعد هذا الفن من أقدم التعبيرات الثقافية المرتبطة بساحة جامع الفنا، التي يعتقد أنها شكلت منذ القرن التاسع عشر على الأقل فضاء رئيسيا لنشأته وتطوره.
داخل الساحة، يتحول الفضاء إلى مسرح مفتوح، حيث تتجاور الحلقات: حلقة للحكي الشعبي، وأخرى للفكاهة، وثالثة للعروض البهلوانية أو الغناء التقليدي. وكل حلقة تحمل بصمتها الخاصة، لكنها تشترك جميعها في هدف واحد هو شد انتباه الجمهور وإحياء التراث الشفهي المغربي عبر أساليب بسيطة وفعالة تعتمد على الصوت والحركة والحضور القوي للفنان.
ويكتسي فن الحلقة بساحة جامع الفنا بعدا تراثيا وإنسانيا مهما، إذ يعتبر جزءا من الهوية الثقافية لمراكش، وفضاء يعكس التنوع الثقافي المغربي، حيث تمتزج الحكايات الشعبية بالأساطير والأمثال والحكم، في قالب ترفيهي يحمل في طياته رسائل اجتماعية وثقافية عميقة. وقد حظي هذا الفضاء باعتراف دولي باعتباره من أبرز تعابير التراث الشفهي واللامادي في العالم.
ورغم هذا الغنى، يواجه فن الحلقة اليوم تحديات مرتبطة بتغير أنماط الترفيه وتراجع الإقبال على الحكي التقليدي، خصوصا أمام هيمنة الوسائط الحديثة. ومع ذلك، يواصل عدد من الحلايقية الحفاظ على هذا الإرث، متمسكين بروح الساحة التي لا تنام، وبقدرة الكلمة والحكاية على شد الجمهور مهما تغير الزمن.
في إحدى زوايا ساحة جامع الفنا، يجلس أحد الحلايقية على بساط بسيط تحيط به حلقة من المتفرجين، رجل ستيني الملامح، يحمل في صوته آثار الزمن وفي حضوره قوة لا تخطئها العين. يبدأ حديثه بنبرة هادئة، ثم ما تلبث أن تتحول إلى إيقاع مشدود ينساب بين السخرية والحكمة، بينما يرافقه تصفيق متقطع وضحكات الجمهور.
لا يعتمد الحلايقي على أدوات معقدة، بل على صوته فقط ولغة الجسد ونظراته التي تتحرك بسرعة بين الحضور، وكأنه يقرأ تفاعلهم لحظة بلحظة. في لحظات الذروة، يرفع إيقاع الحكاية ليصل إلى ذروته، ثم يختمها بحكمة شعبية أو مثل مغربي يترك أثرا في ذاكرة المستمعين، قبل أن يعيد فتح الباب لقصة جديدة لا تقل تشويقا عن الأولى.
هكذا تظل ساحة جامع الفنا أكثر من مجرد ساحة، إنها مسرح حي لذاكرة المغرب، وفن الحلقة فيها ليس مجرد عرض، بل أسلوب حياة يربط الماضي بالحاضر، ويجعل من كل حلقة لقاء متجددا بين الإنسان وحكايته.

