في حوار مطول خص به قناة الجزيرة، تطرق فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى واحد من أكثر المفاهيم إثارة للنقاش في الخطاب التنموي المغربي، ويتعلق الأمر بمفهوم “مغرب السرعتين”، وهو المفهوم الذي أصبح يستخدم لوصف الفوارق المجالية بين جهات تعرف دينامية تنموية قوية وأخرى ما تزال تلتحق بوتيرة أبطأ نسبيا.
ووأوضح فوزي لقجع في هذا السياق، خلال حلوله ضيفا على محمد الرماش ببرنامج مغارب، أن هذا الوصف، رغم تداوله الواسع، لا يعكس خيارا سياسيا مقصودا، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب عبر عقود.
وأضاف أن أي قراءة موضوعية للوضع التنموي داخل أي دولة، لا يمكن أن تفترض وجود وتيرة موحدة في جميع الجهات، لأن طبيعة الاستثمار والبنيات التحتية والقطاعات الإنتاجية تفرض بالضرورة تفاوتا زمنيا ومجاليا.
وفي هذا الإطار، شدد فوزي لقجع على أن المدخل الأساسي لمعالجة هذا الواقع يكمن في التشخيص الصريح والاعتراف بالفوارق القائمة، مبرزا أن السياسات العمومية الحالية تقوم على هذا الأساس من أجل تقليص الهوة تدريجيا بين مختلف المناطق.
وأكد أن الهدف ليس فقط تسريع التنمية في المناطق المتقدمة، وإنما أيضا رفع إيقاع التنمية في المناطق التي لم تستفد بعد بالشكل الكافي من الدينامية الاقتصادية الوطنية.
كما توقف لقجع عند مجموعة من الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي تشمل تطوير شبكات الطرق السيارة، وتحديث البنيات السككية، وتعزيز الموانئ والمنشآت اللوجستية، معتبرا أن هذه المشاريع لا تقاس فقط بحجمها الاستثماري، بل أيضا بأثرها الممتد على محيطها الجهوي والاقتصادي والاجتماعي. وأشار إلى أن هذه الدينامية تندرج ضمن رؤية شمولية تهدف إلى إعادة توزيع عادل لثمار التنمية.
وفي حديثه عن الواقع الملموس، أقر لقجع بوجود تفاوت واضح في مستوى التجهيزات والخدمات بين بعض المحاور الكبرى التي تعرف تركيزا استثماريا قويا، مثل محور طنجة الدار البيضاء مراكش، وبين مناطق أخرى ما تزال في طور استكمال بنياتها الأساسية.
غير أنه شدد في المقابل على أن هذا الوضع ليس ثابتا، بل يشهد تحولا تدريجيا بفضل إطلاق مشاريع مهيكلة جديدة في عدد من الجهات، من بينها الجهة الشرقية والأقاليم الجنوبية.
وضرب مثالا بمشاريع استراتيجية كبرى من شأنها إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمملكة، وعلى رأسها ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي ينتظر أن يشكل رافعة تنموية مهمة للمنطقة الشرقية وما يجاورها، إلى جانب مشاريع طرقية جديدة ومد خط القطار فاس وجدة وفاس الناظور بالكهرباء بما يهدف إلى فك العزلة عن الجهة الشرقية وتحسين الربط بين مختلف الجهات.
واعتبر أن الاستحقاقات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، لن تكون مجرد حدث رياضي، بل محطة إضافية لتسريع هذا التحول، من خلال دفع الاستثمارات وتحسين البنيات التحتية وتعزيز العدالة المجالية على امتداد التراب الوطني.
وختم فوزي لقجع حديثه بالتأكيد على أن المغرب يوجد اليوم في مرحلة متقدمة من إعادة صياغة نموذجه التنموي، بما يسمح بالانتقال من منطق الفوارق الحادة إلى منطق التقارب التدريجي بين الجهات.

