دخلت العلاقات الجزائرية الإسبانية مرحلة جديدة من “الترميم” السياسي والاقتصادي، مع الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى العاصمة الجزائرية أول أمس الاثنين.

وتعد هذه الزيارة، وهي الأولى له منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية الحادة في ربيع 2022، بمثابة إعلان رسمي عن طي صفحة الجمود، والبحث عن صيغة لـ “التعايش البرغماتي” رغم استمرار التباين في وجهات النظر بشأن ملف الصحراء.

واستقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بقصر المرادية، ضيفه الإسباني في لقاء طغى عليه طابع إعادة بناء الجسور.

وتأتي هذه الخطوة بعد شهور من التحركات الدبلوماسية الهادئة التي قادها وزيرا خارجية البلدين، والتي مهدت الطريق لعودة السفراء واستئناف الرحلات الجوية، والأهم من ذلك، البدء في رفع القيود التجارية التي خنقت المبادلات بين الضفتين لأكثر من عامين.

تعود جذور الأزمة إلى مارس 2022، حين أعلنت مدريد دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي كأساس “أكثر جدية وواقعية” لتسوية نزاع الصحراء.

هذا التحول الجذري في الموقف الإسباني التاريخي، أثار غضب الجزائر التي سارعت إلى اتخاذ إجراءات عقابية غير مسبوقة، شملت تعليق “معاهدة الصداقة وحسن الجوار” وسحب السفير، ووضع عراقيل إدارية أمام الواردات الإسبانية.

ورغم أن زيارة سانشيز الحالية تهدف إلى تطبيع العلاقات، إلا أن المعطيات تؤكد أن مدريد لم تغير موقفها الذي فجر الأزمة؛ حيث لا تزال حكومة سانشيز متمسكة برؤيتها تجاه ملف الصحراء، مما يشير إلى أن الطرفين قررا “عزل” هذا الخلاف السيادي عن مسار التعاون الثنائي المشترك.

يرى مراقبون أن المحرك الأساسي لهذا الانفراج هو “لغة المصالح”. فالمؤشرات الاقتصادية تكشف عن حجم الخسائر الفادحة التي تكبدتها الشركات الإسبانية نتيجة الحظر التجاري الجزائري؛ إذ تهاوت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر من نحو 1.9 مليار يورو في عام 2021 إلى رقم متواضع لم يتجاوز 330 مليون يورو في عام 2023.

هذا النزيف الاقتصادي، إلى جانب حاجة إسبانيا لتأمين إمدادات الطاقة (الغاز الجزائري) في ظل تقلبات السوق الدولية، وحاجة الجزائر لتنويع شركائها الاقتصاديين والاستفادة من الخبرات الإسبانية، جعل من العودة إلى “مربع التعاون” ضرورة لا غنى عنها للطرفين.

تطرح زيارة سانشيز تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المرحلة المقبلة. فبينما يطمح البلدان إلى استعادة الزخم الذي ميز علاقاتهما قبل 2022، تظل التحديات قائمة. فإعادة تفعيل “معاهدة الصداقة” وتوسيع التنسيق الأمني في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب، تتطلب بناء ثقة متبادلة تضررت كثيراً خلال السنوات الأربع الماضية.

للإشارة وحسب مصادر دبلوماسية، فإن زيارة بيدرو سانشيز للجزائر تعكس انتصار “الدبلوماسية الواقعية”. فبالرغم من أن أسباب الخلاف السياسي لم تختفِ تماماً، إلا أن المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط فرضت على العاصمتين الجلوس مجدداً إلى طاولة الحوار، وتحويل الاقتصاد من ورقة للضغط إلى جسر للعبور نحو استقرار مستدام.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store