الأحداث التي طبعت العلاقة بين المغرب والجزائر بسبب الصحراء المغربية أو قضية الحدود كثيرة، ومنها التي جرت في أول زيارة للملك الراحل للجزائر في 13 مارس 1963، والتي كان الهدف منها لقاء الرئيس بن بلة وحسم موضوع الحدود.
ولتلطيف الأجواء قبل اللقاء بالرئيس الجزائري الذي كانت علاقته جافة بالمملكة، حمل الحسن الثاني معه 23 سيارة من نوع ميرسيديس الألمانية الصنع لإهدائها للوزراء 23 الذين يشكلون الحكومة الجزائرية، بالإضافة إلى عدد من الأسلحة، كما كشف ذلك المستشار الملكي الراحل عبد الهادي بوطالب في مذكراته “نصف قرن في السياسة”.
قال المستشار الملكي أنه رافق الملك بصفته وزيرا الإعلام والشباب والرياضة. وأتاحت له هذه المرافقة أن يتعرف على الجزائر لأول مرة ـ ككثير من زملائه في حكومة المغرب ـ وأن يتصل أيضا لأول مرة بالرئيس بن بلا.
وأضاف بوطالب أن الملك الحسن الثاني أعد كل ما يلزم لتعكس زيارته مشاعر المودة والأخوة والتعاطف المتأصلة بين شعبي المغرب والجزائر، وحرص على أن يحس القادة الجزائريون بدفء حرارة العواطف المخلصة التي يكنها لهم ملك المغرب، ففجر منها شحنات دافقة بالعطف، وأطلق للإعراب عنها يده سخية مِعطاءة حيث حمل معه متنوع الهدايا، وكان من بينها 23 سيارة مرسيدس من النوع الكبير جاءت من مصانعها بألمانيا إلى المغرب ليلة الزيارة، فوضعها في خدمة الوزراء الجزائريين الثلاثة والعشرين الذين كانوا يشكلون حكومة بن بلا، كما حمل معه أسلحة مغربية آثر بها جيش الجزائر على جيشه.
هكذا كان الحوار الذي يحتوي على أخبار مهمة:
* كيف مرت الزيارة بين وفد المغرب والحكومة الجزائرية؟
ـ بدا لي طيلة الزيارة أن الملك الحسن الثاني كان ـ وهو يحاور بن بلا ـ كمن يُجهِد نفسَه لفتح قُفْل مغلق ضاع مفتاحه. فالرئيس الجزائري كان يبدو صعب المراس، لم يضحك قط ولا ابتسم، إلا مرة واحدة خلال لقاء لم يحضره الملك الحسن الثاني تحلَّق فيه حوله الوفد المغربي والوفد الجزائري في جلسة استراحة واسترخاء، فإذا بعضو الوفد المغربي وزير الدولة في الشؤون الأفريقية الدكتور عبد الكريم الخطيب يبادر الرئيس بنكتة في شكل سؤال: «ألا تفكرون فخامة الرئيس في إدخال تعديل على حكومتكم أعتبره منطقيا، إذ به تضعون الرجل الصالح في المكان الصالح، فتسندون وزارة تربية المواشي إلى الوزير بومعزة، ووزارة التموين إلى الوزير بوخبزة، وتضعون الوزير بومنجل في وزارة الفلاحة، والوزير بوتفليقة في الشرطة؟». وكانوا جميعهم على رأس وزارات أخرى. فتوزعت مشاعر الرئيس ـ وهو يفاجَأ بهذه النكتة ـ بين كبح سَوْرة الغضب واستطابة بلاغة النكتة، فاحمر وجهه، وتزحزحت شفتاه في مشروع ابتسامة لم تقْوَ على شق طريقها.
وقد كانت طبيعة العلاقات الحميمة التي قامت أثناء حرب تحرير الجزائر بين الدكتور الخطيب وبين قادة الجبهة الجزائرية تسمح له هو وحده بأن يداعب الرئيس بهذه النكتة التي لم يَسْتسِغها مع ذلك الرئيس الجزائري، خاصة وقد نطق بها الدكتور الخطيب أمام الوزراء الجزائريين.
* ما هي أسباب انقباض الرئيس بن بلا؟
ـ عزا الوفد المغربي انقباض الرئيس الجزائري إلى ما كان يَعِجُّ به صدره من هموم بناء الجزائر، وإلى ما كان يتهدد الجزائر من انقسام صف قادتها، وإلى معاناة الرئيس الجزائري من معارضة بعض رفقائه في الكفاح لسياسته، ومناهضتهم لبسط حكمه، وإلى الخلاف الذي أخذ يطبع علاقات الرئيس بالمجلس الوطني الجزائري (البرلمان) الذي كان يريد أن يلعب دور المجلس التشريعي المراقب للحكومة، لكن الرئيس الجزائري كان يرفض مراقبته على المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطنية الذي كانت الحكومة تتألف منه.
* وما هو الهدف الأساسي لزيارة الملك الحسن الثاني إلى الجزائر يوم 13 مارس (آذار) 1963؟
ـ لقد جاء الملك الحسن الثاني على رأس وفد المغرب يحمل هما واحدا : هو مشكلة الحدود المغربية ـ الجزائرية التي ترتبت على إلحاق فرنسا لأجزاء من تراب المغرب بالجزائر في عملية حسابية سياسية استعمارية عندما كانت تراهن على إدامة احتلالها للجزائر كجزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي، فتقتطع من المغرب أرض الحماية (المؤقتة) وتضيف إلى (التراب الفرنسي الدائم) مناطق لا جدال في مغربيتها.
