من ذا خال يوما أن النار ستبيت ملجأ الإنسان وملاذه الدنيوي الأخير، من ذا وقع في خلده أن ما استخدم من لدن الجبابرة للتعذيب ووظف في الأديان للتخويف، سيصبح صمدا لكل من ضاقت به الحيل وتقطعت به السبل، لا يخشاها بقدر ما يخشى أحر منها وأشد، معيشة ضنكا، وكرامة مفقودة، وحق مغتصب، دوافع من أخرى كثيرة، اضطرت عشرات المغاربة للاستسلام للنار بعدما اكتووا بها سنوات.
قيل إن معظم النار من مستصغر الشرر، وشرارة انطلاق ظاهرة “حرق الجسد” بالمغرب، احتجاجا على الأوضاع الإجتماعية المزرية، كانت من تونس، تحديدا من مدينة “سيدي بوزيد”، التي غيرت ملامح تونس، بل والمنطقة العربية وانتشلت بلاد القيروان من براثن الظلم والإستبداد.
فالعالم كله يتذكر السابع عشر من جمعة شهر ديسمبر سنة 2010، حينما صادرت السلطات المحلية التونسية عربة شاب مخصصة لبيع الخضر والفواكه، فاحتج ضد الأمر ليفاجأ بشرطية تصفعه أمام الملأ، الأمر الذي لم يستسغه الشاب محمد البوعزيزي فتقدم بشكوى ضدها قوبلت بالرفض، ليضرم النار في جسده احتجاجا، الأمر الذي شكل الشرارة الأولى للثورة التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق المخلوع زين العابدين بن علي.
البوعزيزي مات فأحيا الوعي المجتمعي وقذف في نفوس الناس نسيم الحرية المفقودة ودفعهم للثورة على أوضاع غارقة في الفساد والجور، مات البوعزيزي فاقتفى أثره عشرات المواطنين في المغرب، واتخذوا من حرق أجسادهم أسلوبا جديدا للتعبير عن “الحكرة”.

ولعل من تتبع وسائل الإعلام في السنوات الثلاث الأخيرة سيجد أنها تعج بوقائع مشابهة لحادثة البوعزيزي، أبرزها واقعة امرأة بسيطة انتزع الزمن روحها بعنف، الحادث انتشر انتشارا واسعا في وسائل التواصل الإجتماعي وحشد تضامن ملايين المغاربة الذين خرجوا في مسيرات احتجاجية تنديدا به.
“”امي فتيحة” لم يعد اسما عاديا يمر على الآذان مرور الكرام، فلا بد لملتقطه أن يحدث لديه وقعا مميزا، ويعيده ليوم السبت 9 أبريل من سنتنا هذه، بمدينة القنيطرة لاتزال شاهدة على جسد احترق بالنار بعد أن اكتوى بها سنينا. بائعة “البغرير” المكافحة التي لم تجد بدا من التجول بعربتها البسيطة طلبا للقمة عيش كريمة، في ظل وضع مادي واجتماعي بئيس، وكعادة السلطات في انتقائية الأشخاص وحملاتها المناسباتية اختيرت “مي فتيحة” كبش فداء الفترة تلك، فصادر القائد عربتها، الأمر الذي لم تستسغه المرأة وبعث في نفسها إحساسا ب”الحكرة” مما دفعها لإشعال النار في جسدها أمام الناس، وما زاد الأمر غرابة هو برودة أعوان السلطة وعدم اكثراتهم، حتى إن أحدهم أخذ يصور المشهد بهاتفه وكأنه عرض مسرحي. جسد “مي فتيحة” المكتوي لم يصمد إلى قليلا، إذ فارقت السيدة الحياة عقب وصولها إلى المستشفى ، معلنة بذلك استمرار مسيرة الظلم والقمع في بلدها. أعوان السلطة وعدم اكثراتهم، حتى إن أحدهم أخذ يصور المشهد بهاتفه وكأنه عرض مسرحي. جسد “مي فتيحة” المكتوي لم يصمد إلى قليلا، إذ فارقت السيدة الحياة عقب وصولها إلى المستشفى ، معلنة بذلك استمرار مسيرة الظلم والقمع في بلدها. “

حادث آخر لا يقل مأساوية عرفته منطقة “عين البرجة” بمدينة الدار البيضاء حيث فارق شاب الحياة متأثرا بحروق أصيب بها بعد إضرامه النار في جسده خلال التاسع من مارس الماضي أمام مدخل إدارة تابعة لوزارة الداخلية بالدار البيضاء، احتجاجا على رفض السلطات منحه شهادة السكنى.
الشاب محفوظ جيمي، البالغ 36 سنة ، والذي يعمل بائعا متجولا، قام بصب البنزين على جسده في باب إدارة الدائرة التاسعة والأربعين، حيث طالب بشهادته الإدارية، في مشهد درامي حزين يلخص إحساسا بالظلم والإحتقار.
ليست هذه المرة الأولى التي يتسبب فيها تعنت السلطات في أوضاع كارثية تنتهي بحرق المواطنين أجسادهم، فسنة 2013، لاتزال شاهدة على حادث وفاة بائع متجول بمراكش، جراء إصابته بحروق ناتجة عن صبه البنزين على جسده إضرامه النار احتجاجا على حجز السلطات بضاعته.
آخر تلك الحوادث كان اليوم في مدينة العيون، حيث أقدم شاب يدعى، عبد السلام الصالحي،على إضرام النار في جسده أمام مقر ولاية العيون.

كثير من علماء الإجتماع يعتبرون أن الظاهرة تدخل في إطارالعنف المتواجد في الاحتجاجات، وهذه الأخيرة صارت مرتبطة بالجسد و بضيق الأفق السياسي والاقتصادي والتنموي والاجتماعي مما جعل الإنتحار وخاصة عبر الحرق سلوكا منتشرا وليس استثتاء.
أما من الجانب الديني فالظاهرة مرفوضة قطعا، فالإسلام حرم قتل النفس بأي طريقة، وشدد على تحريمه لعدم شرعية الوسيلة، وعمدتهم في ذلك نص قرآني صريح: ” ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”.

