قطعت الصحافية فدوى مساط أشواطا في مسارها الحافل بالتحديات والنجاحات، بطموح وثبات وثقة، لتطل على شرفة صاحبة الجلالة بإنتاجات قل نظيرها، في مجال صحافة الأجناس الكبرى والتحقيق والاستقصاء خاصة.
وبزغ نجم الصحافية منذ اشتغالها في جريدة المساء، التي عرفت من خلالها بأعمال جريئة ومميزة، لتتألق في منابر إعلامية وطنية قبل أن تلتحق بالديار الأمريكية، هناك بدأت تجربة فريدة بإذاعة “راديو ساوا”، قبل أن تستقر أخيرا بموقع أصوات المغربية، حيث تتكلف مساط برئاسة هيئة التحرير والإشراف عليها بمقر الموقع في العاصمة الأمريكية واشنطن.
وبعد ما يزيد عن 15 سنة من التجربة الحافلة بالعطاء، أثبتت من خلالها كفاءتها وتألقها كصحافية كسرت جميع القيود، تتوقف مساط للحظة لمساءلة نفسها، من خلال رسالة مؤثرة، ارتأت نشرها على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، تقول فيها إنها “كتبت رسالة استقالة لمديرها، أنيقة قصيرة” غير أنها “لا تجد الشجاعة الكافية لتغادر منصبها الآن”.
توضح مساط، في الرسالة ذاتها، أنها “خلعت أخيرا القيد الذي طوق عنقها لمدة 15 سنة، وهو طوق “السالير” الذي استعبدها كل هذه السنوات، وسرق منها شبابها وكل أحلامها التي كانت تبنيها وهي طفلة صغيرة في وزان”، على حد قولها.
وأكدت مساط، في رسالتها دائما، أنها قررت كسر طوق “العبودية”، والتحرر والانعتاق من كل قيد، تقول “قررت أن أبيع البيت الذي لا أدخله إلا وأنا جثة تزحف على ركبتيها من التعب، فلا أستمتع بنوافذه الكبيرة ولا أشجاره الحزينة التي تتطلع إلي بإشفاق كل ليلة، أن أبيع السيارة التي لا أحتاج كل المميزات التقنية التي كادت تحولها إلى طائرة نفاثة وليس وسيلة نقل يومي من وإلى البيت، أن أتخلص من المجوهرات اللامعة التي أخفيها في درج غرفة النوم، ولا أجد الوقت ولا المناسبة لارتدائها، حتى كادت تفقد لمعانها مع الوقت..”.
وتحسرت تقول، في رسالتها، إن عملها “امتص رحيق الحياة من شراييني، وحولني إلى آلة حقيقية من لحم ودم، تعبد مديرها، وتتحكم بها أجندة غوغل، تشتغل الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، الجمعة، السبت والأحد.. تشتغل حتى منتصف الليل وتكون أول الواصلين صباحا لحضور اجتماع التحرير..”، وفق تعبيرها، قبل أن تضيف انها أنفقت عمرها مقابل “لا شيء”.
وزادت، تخاطب متابعيها على “فيسبوك”، بالقول: “إني لم أرقص تحت المطر كما كان يليق بي، لم أغامر بارتكاب الحماقات في شارع مظلم عند منتصف الليل كما كان يجدر بي، لم أعشق رجلا يكتشف تضاريس جسدي بمتعة، ويعلمني أبجديات الشهوة كما كان يجب علي.. لم أدخن، لم أسكر، لم أرتد تنانير قصيرة ولم أقص شعري ولا صبغته باللون الأحمر، كما كنت أتمنى دائما..”.
وتابعت: “اكتشفت أنني “مشيت جنب الحيط” كل هذه السنوات خوفا من أن تخذلني الحياة، لكنني عرفت اليوم أنني خذلت نفسي… شيدت طوال خمسة عشر سنة بيتا جميلا، اشتريت سيارة فاخرة، صار لدي حساب في البنك، اقتنيت الكثير من الفساتين والأحذية ذات الكعب العالي.. صرفت الكثير من المال لتشذيب شعري بشكل كلاسيكي وصبغ أظافري بألوان محافظة وحرصت على أن يكون مظهري مطابقا لشكل الموظفة المثالية كل صباح.. إلى أن فاجأت نفسي وأنا أحدق في وجه امرأة غيري في المرآة هذا الصباح”.
وأعلنت مساط أنها كانت تريد تغيير العالم، “إلا أنني لم أغير شيئا وغيرني العالم، حولني إلى عبدة تجثو على ركبتيها كل أسبوعين كي تتلقى راتبا افتراضيا يرمى في حساب بنكي غامض، به عدد لا متناه من الأرقام، يختفي قبل أن أتمكن من لمسه”.
وفي ختام رسالتها، أكدت مساط أنها، وعلى الرغم من كل شيء: “قرأت رسالتي أكثر من مرة، لكنني كنت أجبن من أن أرسلها لمديري!! أقنعت نفسي أن أجثو لمدة أسبوعين إضافيين حتى أتمكن من إيجاد عمل جديد، ألا أغامر بمغادرة منصبي الآن، مع أن قلبي يصرخ داخل صدري يطلب أن أتوقف عن هذا الهراء وأن أهرب”، على حد قولها.