إن موضوع آليات التعاون والشراكة ورهان التنمية في ظل الجهوية المتقدمة يتطلب ضرورة إجراء قراءات متأنية في مختلف المستجدات الواردة في هذا السياق ولا سيما تلك التي تزامنت و صدور الوثيقة الدستورية و بوأت الجهة مكانة الصدارة في التنظيم الترابي المغربي، بالإضافة إلى تدعيم دور الجماعات الترابية باعتبارها جماعات مقاولة قادرة على مواكبة و تدعيم الدور التنموي للدولة و قد ضخت القوانين التنظيمية الثلاث المتعلقة بالجماعات الترابية دماء جديدة في نمط و بنية عمل هذه الوحدات و الارتقاء بها عبر مجموعة من الصلاحيات التقريرية، ومن هذا المنطلق فان المغرب نهج أسلوب اللامركزية كخيار التزمت به الدولة منذ استقلالها وذلك باعترافها القانوني وتكريسها الدستوري لهذه الوحدات الترابية ذات الشخصية المعنوية والمتوفرة على صلاحية تدبير مصالحها المتميزة عن المصالح الوطنية عن طريق أعضاء منتخبين بشكل حر وديمقراطي .
من ناحية أولى، فقد عبر المتن الدستوري في الفصل 136 على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة، كما أشار الفصل 146 لكون القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية ستفصل في ما بعد المقتضيات الهادفة إلى تشجيع تنمية التعاون بين الجماعات، وكذا الآليات الرامية إلى ضمان تكييف تطور التنظيم الترابي في هذا الاتجاه.
و بالرجوع لمقتضيات القوانين التنظيمية (111.14 – 112.14 – 113.14) نجدها أقرت اعتماد آلياتي التعاون و الشراكة ضمن ميكنزمات اشراك كافة أقطاب المجتمع في وضع و تصويب و تنفيذ المخططات التنموية، ومن ناحية ثانية، لم يغفل الدستور المغربي أيضا عن الحديث عن البعد التنموي للجماعات الترابية بمستوياته المختلفة.
إن هذه الدراسة العلمية تكتسي أهمية داخل نسق البحت العلمي المتعلق بتدبير الشأن الترابي من خلال كون الموضوع لا يمكن حصره في نطاق معين، وهو ما يجعله من الزاوية العلمية والأكاديمية يتسم بالخصوصية، إذ يجمع ما بين العلوم السياسية والعلوم الإدارية والعلوم الاقتصادية والعلوم الاجتماعية، وقد حاولنا مقاربته من كافة الزوايا العلمية.
ومع بروز النقاش حول الجهوية المتقدمة والتعديل الدستوري لسنة 2011 عملت الدولة على إعادة النظر في وحداتها الترابية، ليس فقط على مستوى التوزيع العمودي والأفقي للاختصاصات، أو التقسيم الترابي لهذه الوحدات، بل أيضا على مستوى المقاربات المعتمدة في التدبير، وذلك بتجاوز المقاربات التقليدية في تدبير الجماعات الترابية، وايجاد بدائل للتمويل والتنمية، مع التفكير في النتائج والأهداف.
بالاطلاع على مجمل الدراسات التي أعدت حول الموضوع ، لاحظنا أن معظمها كان له صبغة قانونية صرفة دونما تمحيص في الجانب الاجتماعي والاقتصادي، أو باستحقاقات التمرين الديمقراطي ببلادنا، فظلت بذلك مجرد بحوث تجزيئية لم تلامس بعمق كافة المسائل المرتبطة به ، وبالتالي فاختيار هذا الموضوع لا يخلو من أهميته العلمية التي تهدف إلى إغناء الخزانة الأكاديمية.
كما أن لموضوع آليات التعاون والشراكة ورهان التنمية في ظل الجهوية المتقدمة أهمية أخرى من الزاوية العملية، نظرا للتأثير الإيجابي الذي ينجم عن تكريس وتنزيل آليات التعاون والشراكة بين الجماعات الترابية وباقي الفاعلين في الشأن الترابي، خصوصا اذا استحضرنا الاختلالات المركبة التي تكتنف التدبير الترابي.
فضلا عن مواكبة التوجه الدولي نحو تقوية الجماعات الترابية، وتطوير إمكانياتها المالية، والمؤسساتية .
حيث أن موضوع الشراكة والتعاون، يستفز الباحث، في مجال مركب، مليء بالصعوبات على مستوى النصوص القانونية، والممارسة العملية، زد على ذلك، أنه رغم وجود دراسات وبحوث في هذا الموضوع، إلا أنه تبقى لكل باحث مقاربته للموضوع، لاسيما وأن الساحة الوطنية والترابية، تعيش اليوم على وقع إصلاحات مهمة، تجذب الباحث إلى مقاربة الموضوع على ضوء المستجدات الراهنة.
على الرغم من أن الكثير من الاقتصاديات تبنت الشراكة بمفهومه الحديث إلا أن لا يزال يعاني من الغموض في كثير من جوانبه، فرغم النص القانوني (86.12) والتدابير التي جاءت في متنه، إلا أنه يجب تعميم هذه الالية على كافة الجماعات وليس فقط الجماعات ذات قوة الاقتصادية، وذلك بتدخل الدولة لمساعدة الجماعات الفقيرة في خوض تجارب الشراكة،
* من جهة أخرى فقد أصبحت الشراكة بين القطاعين العام والخاص ظاهرة مسيطرة في الآونة الأخير ة وقد طغت على مفهوم الخوصصة التي تم تبنيها في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين،
* تبين أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص أدى إلى توسيع نطاق النشاط الاقتصادي بين القطاعين، وخاصة أنه أدى إلى الحد من سيطرة القطاع العام وتملكه لعوامل الإنتاج، وفتح المجال أمام قطاع الخاص الذي أبان على رباطة جأشه في تسيير المرافق والانخراط في المشاريع العمومية، مما من شأنه توسيع الاطار التنافسي و الاكتساب التجارب التي يفتقدها القطاع العام.
* تبين ان علاقة الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتنمية تنبع من أنه لكلا القطاعين مزايا ومقومات خاصة به تجعله قادرا على خلق القيمة المضافة في الاقتصاد، و تحقيق أهداف التنمية المستدامة المرجوة، بالإضافة إلى الالتزام بتفعيل مبادئ الحكامة الجيدة.
* إن التوجهات التدبيرية الجديدة للجماعات المتمثلة في نهج وسائل وآليات التدبير المقاولاتي (الشراكة التعاون …)، ليست فقط “موضة جديدة”، ولا مجرد تطبيق لمبادئ الليبرالية الجديدة، بل هي بمثابة محاولات للإجابة عن إكراهات العولمة. ذلك لأن الفلسفة التي أصبحت تستند عليها الليبرالية في صورتها الحديثة، تقتضي بأن تتكفل الجماعات الترابية إلى جانب الدولة (المصالح اللاممركزة، المؤسسات العمومية، القطاع الخاص، المجتمع المدني) بالدور الاقتصادي المتخلى عنه من طرف الدولة، في إطار ما أصبح يعرف بإعادة هيكلة الاقتصاد وتكيفه مع المعطيات الجديدة لتجاوز الأزمة المالية الممتدة عبر الاقتصادات العالمية.
* حرص المشرع المغربي على إعطاء دلالة جديدة للامركزية، فهو يريد من الجماعات الترابية أن تتحول إلى مقاولة حقيقية بالمعنى الشريف للكلمة، وهذا ما تمت ترجمته بشكل مدقق وموسع لمجال اختصاصات مجالس الجماعات الترابية ، التي تضمنتها القوانين التنظيمية الثلاث.
فختام هذا القسم يمكن القول بأن اللجوء إلى الشراكة لا يتم بصورة تلقائية، كما هو حال باقي الأساليب التعاقدية، حيث يتعين استخدامه بطريقة مخططة استنادا إلى احتياجات الشخص المعنوي العام، مع مراعاة الجوانب: القانونية، الاقتصادية والاجتماعية، لذلك يتوجب على الشريك العام التحقق من مدى الحاجة للمشروع المراد إقامته، ومدى إمكانية تنفيذه، وفائدة تنفيذه بأسلوب عقد الشراكة، وهو ما يترجمه مبدأ التقييم الأولوي.
- إن التعاون والشراكة بين الجماعات الترابية وباقي الفاعلين المؤسساتيين، يشكل عاملا مهما في دفع عجلة التنمية المحلية إلى الأمام في جميع المجالات ويساهم في حل جميع المشاكل العالقة التي لا يمكن أن تحل إلا بالعمل التضامني الجماعي وكذلك فك العزلة على العديد من الجماعات الترابية وخاصة منها القروية، وسيشكل عاملا مهما في إرساء نوع من التوازن بين المدن المتقاربة عن طريق التعاقد والشراكات، إلا أن الأمر يتطلب تعديل وتحين بعض القوانين ذات الامتداد الترابي.
- فلسفة التعاون والشراكة باعتبارهما آليتين لتحقيق التنمية المجالية، أصبحت في الوقت الراهن مقوما اساسيا من مقومات الإستراتيجية التنموية للجماعات المحلية، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الأخيرة مطالبة بدور أكبر يتوافق والتحولات الدستورية والمؤسساتية الكبرى.
- يمكن الجزم بأن فعالية أي آلية تشاركية يتوقف على تأهيل البنيات الإدارية المحلية بمختلف مكوناتها بما يتماشى والأدوار الجديدة لهذه الكيانات والتي أقرتها القوانين التنظيمية الجديدة،
- تشكل صيغة التعاون والشراكة ما بين الجماعات وباقي المتدخلين آلية مهمة لتجميع الوسائل المتوفرة لدى الجماعات الترابية المتواجدة في مجال له خاصيات: التجانس، الامتداد الجغرافي، المناخي، السوسيولوجي، كما تشكل طريقة فعالة لمواجهة النفقات والصعوبات التي تنتج عن النمو الاقتصادي، كما هي فرصة لتوسيع المجال الترابي عن طريق الاستغلال المشترك للأراضي والعقارات المتوفرة لدى كل منها .
- كما يعتبر أسلوب الشراكة إحدى تجليات الديمقراطية المحلية، فإشراك جميع الفعاليات بما فيها الساكنة في عملية إنتاج القرار الترابي، سيساعد على ردم الهوة بين المدبر والمتلقي، لأن مساهمة الإنسان في إنتاج والتنمية، تجعله متمسكا ومقتنعا بأن تدبير الشأن الترابي لا يقتصر على المسؤولين فقط.
- كما خلصنا أن التعاون والشراكة، ليست وليدة القوانين التنظيمية الثلاث بل هي تراث قانوني متواتر، اكتسى بعدا دستوريا جديدا و اسند لمؤسسات محددة بناء على اختصاصات محددة.
- ورغم المزايا التي تحملها اليات التعاون والشراكة، إلا أنها تطرح مجموعة من الاكراهات نجملها فيما يلي:
- نقل عبء إقامة المشاريع التنموية من على عاتق القطاع العام إلى القطاع الخاص، دون انتظار أن تتوافر في ذمة الشخص المعنوي العام الموارد المالية المطلوبة لاقامتها،
- كما أن مضامينه ومقتضياته هي ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية، قد لا تتماشى مع فلسفة الربح التي تطبع عمل القطاع الخاص.
استنتاجات البحث:
أما بخصوص الخلاصات التي توصلنا إليها:
- بعد دراسة مستفيضة لموضوع الشراكة والتعاون ورهان التنمية في ظل الجهوية المتقدمة، من المنظورين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتدبيري، يتضح أن الجماعات الترابية لازالت لا تعتمد على هذين الآليتين في محور تدبيرها للشأن الترابي.
- يظل تعزيز قدرات الجماعات الترابية على الانخراط بشكل تام في مشروع الجهوية المتقدمة رهينا إلى حد كبير بالانفتاح قدر المستطاع على التجارب سواء الوطنية أو الإقليمية والدولية..
- بالنسبة لتداخل الاختصاصات وتشابكها فيما بين المركز و الجهات و كذا فيما بين الجهات و الجماعات الترابية الأخرى أفإننا نرى أن البناء الجهوي هو في عمقه نقل للسلطات التقريرية للمصالح المركزية في مجالات متعددة وتحويلها لسلطة جهوية حقيقية وفاعلة في المجال المحلي حتى يتفرغ المركز لمعالجة القضايا الاستراتيجية، وتضطلع لجماعا الترابية بالأدوار التنموية، وتفعيل التوجهات العامة الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
توصيات البحث:
استنادا إلى خلاصات التي توصلنا لها من خلال البحث، يمكن تقديم وطرح التوصيات التالية:
- إن لأهداف التنموية المرجوة من عمليات الشراكة والتعاون بكل أشكالها، لا يكفي ان تظل رهينة البعد الاقتصادي أو تحسين أداء الخدمات العمومية، بل يجب أن تنعكس على تحسين ظروف عيش الساكنة.
- إن تفعيل الشراكة والتعاون بين الجماعات الترابية وباقي الفاعلين الاخرين، لا يكون إلا بعد تحيين وتوسع القاعدة التشريعية لهذين الاليتين، وذلك بغرض إدماج الاسلوبين باعتبارهما من مقومات التدبير الحديث، بالإضافة إلى إنشاء الأجهزة اللازمة لتنفيذ القواعد والالتزامات الواردة بقدر عال من النزاهة والكفاءة.
- ضرورة توفير منظومة رقابية تضمن الالتزام بمقتضيات الاتفاقيات الشراكة والتعاون، ومراقبة الخدمات المقدمة.
- الحرص على توفير الموارد المالية اللازمة لتمويل مشاريع الشراكة، والقطيعة مع الاتكالية في تلقي التمويلات من طرف الدولة، وذلك يستوجب تخصيص سطر في الميزانية الجماعية لمشاريع التعاون والشراكة.
- تمكين المجتمع المدني من اليات التشاور والحوار باعتباره طرف محوري وأساسي في صناعة القرار الترابي.
- إجراء حملات إعلامية وتوعوية حول إمكانيات وفوائد إبرام اتفاقيات الشراكة والتعاون، وآثارها الممكنة على زيادة كفاءة وجودة الخدمات المقدمة للساكنة.
- استحضار آليات التعاون والشراكة كرافعة لتثبيت الديمقراطية المحلية إضافة إلى تدعيم التنمية المحلية .
- تأهيل العنصر البشري سواء ما كان من اطر الادارة وموظفيها او ما كان من المنتخبين الذين تفرزهم صناديق الاقتراع، فالشراكة تقتضي قدرا عاليا من الاحتراف والمهنية خصوصا عند التعامل مع الشركات والمقاولات ذات الامتداد الدولي.
- ضرورة إشراك المجتمع المدني في مختلف عمليات المواكبة الاجتماعية والمراقبة والمساهمة في تعبئة السكان والتواصل معهم، حتى يتسنى للجمعيات والمواطنين، محاسبة المنتخبين ومراقبتهم .
يتضح بجلاء من كل ما سبق أن بلادنا وضعت اللبنات الأساسية لمشروع الجهوية المتقدمة من خلال ارادة ملكية وتأسيس دستوري وتشريع تنظيمي ، وعلاوة على الكسب التنموي المرتقب لهذا المشروع، فإن له مكسبا سياسيا مقدرا أربك حسابات خصوم الوحدة الترابية .
إن الجهوية المتقدمة بمختلف الجهات وعلى رأسها الأقاليم الجنوبية التي ستعرف تنزيل حكم ذاتي فيما بعد. سيظل منوطا بها إرساء هياكل التنمية الشاملة التي يجب أن تركب سكة الاقلاع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي للوصول إلى كرامة و رفاهية المواطن المغربي ، وهو ما يمر عبر مجموعة من الآليات من بينها آلية الشراكة والتعاون.