سلطت عالمة الاجتماع المغربية سمية نعمان جسوس، الضوء على الأبعاد الاجتماعية العميقة لهذه الممارسة، متجاوزة الجانب الديني البحت.

وقالت جسوس: “هناك جانب مقدس يبدو لي في هذه الطقوس، أكثر من الجانب الديني نفسه”. وأضافت: “نحن لا نتحدث عن أناس لديهم إمكانيات، بل عن أناس قد يكونون فقراء، يعيشون في هشاشة، وليست لديهم الإمكانيات”.

وأشارت إلى ظاهرة التعاون الأسري لشراء الأضحية، موضحة: “تجد في بعض الأسر أربعة أو خمسة أفراد يتشاركون حتى يتمكنوا من شراء خروف واحد”. واعتبرت جسوس هذا السلوك نوعًا من النضال، قائلة: “كان بالنسبة لي وبالنسبة للزوج ديالي هذاك نوع ديال… ماشي صراع، نوع ديال ميلتزم، نوع ديال النضال”.

وربطت الباحثة هذا النضال بتجربتها الشخصية في الثمانينات، حيث قالت: “في 1982، [أردنا] أن نبين للأسر ديالنا بأن المهم ماشي هو [الخروف]، المهم هي القيمة، هي الحياة الزوجية، هي كيفاش غادي نعيش”.

وشددت جسوس على ضرورة عدم إصدار أحكام على هذه الممارسات، قائلة: “من أنا لأحكم اليوم على هؤلاء الناس؟ لا أسمح لنفسي بالحكم عليهم”. وأرجعت ذلك جزئيًا إلى أهمية اللحم في الثقافة الغذائية المغربية، مضيفة: “نحن نعرف أن المغاربة يحبون [اللحم] كثيرًا”.

وبهذا، تؤكد جسوس على أن طقوس عيد الأضحى تتجاوز كونها مجرد واجب ديني، لتصبح تعبيرًا عن قيم التضامن والتكافل الاجتماعي المتجذرة في المجتمع المغربي، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

في موضوع آخر، دعت جسوس، إلى ضرورة تعديل مدونة الأسرة المغربية، مؤكدة أن الهدف هو معالجة المشاكل الاجتماعية التي تواجهها النساء والأسر، وليس الخروج عن الدين الإسلامي أو تهديد القيم المغربية.

وقالت جسوس: “نحن اليوم في حاجة إلى حوار مجتمعي بدلاً من الصراعات والمواجهات. يبدو أن المجتمع انقسم ليس فقط إلى اثنين، بل إلى عدة أقسام”. وأضافت أن هناك نقصًا في الوعي لدى المواطنين، حيث يتخذ الناس مواقف دون البحث أو التعمق في فهم القضايا.

وانتقدت جسوس ما وصفته بـ”الجهل” الذي يدفع بعض الناس إلى اتهام المطالبين بالتغيير بأنهم “كافرون” أو “يريدون تحطيم قيم المغرب”. وأكدت أنه عند النظر في الحالات الفردية، نجد أن هناك ظلمًا يُمارس باسم الإسلام، مع أن الإسلام بريء منه.

وحددت جسوس عدة نقاط ترى أنها ضرورية لحماية الأسرة المغربية، منها:

1. الولاية على الأطفال: “يجب أن تكون الولاية لمن لديه الحضانة، سواء كان الأب أو الأم”.
2. السماح للأمهات الحاضنات بالزواج: “لماذا نحرم المرأة من حق أعطاه لها الإسلام والقيم؟”
3. إعادة النظر في التعصيب: وهو نظام الإرث الذي قد يؤدي إلى حرمان الأرامل والأيتام من السكن.
4. منع زواج القاصرات: “عار أن نحكم على فتاة دون 18 عامًا بأنها قادرة على تحمل علاقة جنسية أو زوجية”.

وتطرقت جسوس أيضًا إلى مسألة القوامة، معتبرة أنها “ستذوب بنفسها” مع تزايد مساهمة النساء في سوق العمل وتحملهن لمسؤوليات الإنفاق على الأسرة. وقالت: “أين هي القوامة عندما نرى أن واحدًا من كل خمسة بيوت تنفق فيه امرأة وحدها؟”

وحذرت جسوس من وجود أطراف قد تكون لها مصلحة في خلق البلبلة والمشاكل، مشيرة إلى استغلال بعض الأشخاص لوسائل التواصل الاجتماعي للهجوم على من يريدون التقدم بالبلاد.

وختمت جسوس بالدعوة إلى نضال مجتمعي من أجل التغيير، قائلة: “كل امرأة وكل فتاة يجب أن تناضل وأن يكون لديها هذا الوعي لنتحرر ونحصل على الحماية للأسرة بصفة عامة وللفتاة والمرأة بصفة خاصة”.

وتحدثت جسوس، عن التحولات الاجتماعية في المغرب وبطء تغير بعض القيم، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين الجنسين والنظرة إلى المرأة.

وقالت جسوس: “المجتمع تغير بصفة كبيرة. العلاقة ما بين المرأة والرجل تغيرت، السلوك تغير، وعدد من الطابوهات تكسرت”. وأشارت إلى أن موضوع الجنس أصبح أقل حساسية مما كان عليه في السابق، خاصة مع انتشار الإنترنت.

لكنها أكدت أن هناك “حاجة واحدة لم تتغير”، وهي النظرة المزدوجة للحرية الجنسية قبل الزواج. فبينما يُشجع الشاب المغربي على ممارسة حريته الجنسية كتعبير عن “الفحولة”، تظل قيمة الفتاة مرتبطة ببكارتها. وأضافت: “هنا توجد مفارقة. نحن مجتمع مسلم، والإسلام يقول حرام للرجل والمرأة، عندنا مساواة. ولكن المجتمع يشجع الشاب المغربي قبل الزواج”.

وانتقدت جسوس هذه الازدواجية قائلة إنها تخلق “مشاكل كثيرة في المجتمع لدرجة أنها تخلق نوعًا من عدم الثقة ما بين المرأة والرجل، وتخلق نوعًا من النفاق”. وأشارت إلى أن بعض الفتيات يلجأن إلى عمليات “إعادة البكارة” لتلبية توقعات المجتمع.

وتساءلت: “هل مازلنا ننظر للمرأة من خلال بكارتها؟ هل قيمة المرأة هي بكارتها؟” مشيرة إلى حادثة مأساوية وقعت قبل بضع سنوات، حين توفيت عروس في مراكش بعد سقوطها من الطابق الخامس أثناء محاولتها إثبات عذريتها.

ودعت جسوس إلى ضرورة تغيير هذه النظرة، مع الحفاظ على القيم الإسلامية. وقالت: “لنتفق على أننا مجتمع مسلم، يجب أن نمنع [العلاقات قبل الزواج] حتى يكون هناك انسجام في العلاقة بين المرأة والرجل”.

وأشارت إلى أن سن الزواج قد ارتفع، مما يزيد من تعقيد المسألة. وختمت بالتأكيد على أن المجتمع يتغير، لكن بعض القيم تتغير ببطء شديد، مما يخلق توترات وتناقضات اجتماعية.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store