دعونا نتناول الصورة الكبيرة. فقد كشف التقرير عن حقيقة مقلقة: المغرب يعاني من تراجع ملحوظ في مؤشرات مكافحة الفساد. تخيلوا معي، خلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت المملكة بخمس نقاط كاملة في مؤشر مدركات الفساد. وكأن سفينة النزاهة تواجه رياحاً معاكسة، محتلة المرتبة التاسعة عربياً والمرتبة 94 عالمياً من أصل 180 دولة.
ولكن، ما هي الأسباب وراء هذا التراجع المقلق؟
حسناً، يشير التقرير إلى عدة عوامل. من بينها ضعف تطبيق القانون، وتراجع في مؤشر الحكومة المنفتحة، وإشكاليات تتعلق باستقلال القضاء وحرية الصحافة. وكأننا أمام لوحة فسيفسائية معقدة، كل قطعة فيها تساهم في تشكيل صورة الفساد الكلية.
ولكن دعونا نتحدث عن الأرقام. فقد تلقت الهيئة خلال عام 2023 ما مجموعه 85 شكاية وتبليغ، 40 منها شكايات و45 تبليغات. والمثير للدهشة أن أكثر من 85% من هذه الشكايات والتبليغات لم تستوف الشروط القانونية لقبولها. وهذا يطرح تساؤلات جوهرية حول وعي المواطنين بآليات الإبلاغ عن الفساد.
والآن، دعونا ننتقل إلى الجانب الأكثر إثارة في التقرير: التوصيات والمقترحات.
فقد قدمت الهيئة رؤية شاملة لمكافحة هذه الظاهرة، تبدأ من جذور المشكلة وتمتد إلى أعلى مستويات الدولة. تخيلوا معي هرماً، قاعدته التربية والتكوين وتعزيز قيم النزاهة، وفي وسطه تحسين جودة الخدمات العمومية وترسيخ الشفافية، وعلى قمته سن تشريعات صارمة لمكافحة الإفلات من العقاب.
ومن بين أهم التوصيات: تعزيز حماية الموظفين المبلغين عن أفعال الفساد، تشديد الرقابة على ممتلكات المسؤولين، وضع آليات صارمة لمنع تضارب المصالح، إدراج برامج خاصة بمكافحة الفساد في ميزانيات القطاعات الحكومية.
ولكن هناك نقطة مثيرة للجدل في التقرير، ألا وهي ظاهرة إساءة استغلال الوظائف للحصول على منافع جنسية. فالهيئة تدعو إلى إعادة النظر في تصنيف هذه الظاهرة قانونياً، واعتبارها شكلاً من أشكال الفساد، وليس مجرد قضية تمييز ضد المرأة.
وعلى الصعيد الدولي، يبرز التقرير جهود المغرب في الانضمام إلى اتفاقيات دولية لمكافحة الفساد. فالمملكة تسعى للانضمام إلى مجموعة الدول ضد الفساد GRECO، في خطوة قد تعزز موقفها على الساحة الدولية.
ختاماً، يطرح التقرير سؤالاً جوهرياً: هل نحن على أعتاب مرحلة جديدة في مكافحة الفساد بالمغرب؟ الإجابة تكمن في مدى جدية تنفيذ هذه التوصيات، وفي مدى استعداد كافة مكونات المجتمع للانخراط في هذه المعركة.
نحتاج للتفكير والعمل. فمكافحة هذه الظاهرة ليست مسؤولية الهيئة وحدها، بل هي قضية وطنية تتطلب تضافر جهود الجميع. فهل نحن مستعدون لهذا التحدي؟