شهدت صناعة الوثائقيات الحسانية في السنوات الأخيرة تحولا إيجابيا على الساحة الفنية، حيث استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة مرموقة في المهرجانات الدولية، محققة إنجازات تستحق الإشادة والتقدير، هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود حثيثة ودعم مؤسساتي متواصل، خاصة بعد إطلاق صندوق دعم السينما الحسانية في عام 2015.
وتعد مبادرة “مختبر الصحراء” نقطة تحول مهمة في مسيرة السينما الحسانية، حيث قاد المخرج حكيم بلعباس هذه التجربة الرائدة التي استمرت لمدة سنتين، فخلال هذه الفترة، تم تكوين مجموعة من المواهب الصحراوية في مجالات السيناريو والإخراج، مما أسفر عن إنتاج أفلام متميزة شاركت في محافل سينمائية عالمية.
المخرج عمر ميارة كأحد أبرز المخرجين السينمائيين في المنطقة، حيث يجمع في أعماله بين خبرته في الفن التشكيلي وحسه السينمائي المرهف. يؤكد ميارة في حديثه لموقع “فبراير.كوم”، أن “السينما بالدرجة الأولى هي صورة معبرة أكثر من أنها تحتاج لتعليق”، مشددا على أهمية ثقافة الصورة في صناعة الأفلام الوثائقية.
وتتميز الثقافة الحسانية بخصوصيتها الفريدة التي تمزج بين التأثيرات العربية والموروث المحلي، الذي يظهر جليا في الأعمال الوثائقية التي تتناول المنطقة، حيث يبرز الاهتمام بالشعر العربي والعادات والتقاليد المحلية التي تتشابه في بعض جوانبها مع الثقافة الموريتانية.
ومن جهة أخرى، شهدت مدينة العيون فعاليات الدورة الأولى من مهرجان أفلام الصحراء على مدار يومين، في مبادرة ثقافية مميزة نظمتها فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء، خلال يومي 30 و31 دجنبر.
وجمع المهرجان نخبة من المهنيين في مجال السينما والإعلام، مستهدفاً تعزيز التواصل بين صناع الأفلام وتبادل الخبرات المهنية.
وشدد سعيد أزربيع، رئيس فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء، على طموح المنظمين في تحويل المهرجان إلى ملتقى سنوي يسهم في إبراز مقومات المناطق الجنوبية للمملكة وفرص الإنتاج السينمائي فيها. كما دعا إلى منح المزيد من الفرص للمواهب المحلية، مستشهداً بنجاح المخرج المغربي أحمد بوشكلة الذي حصد جائزة في مهرجان لندن آرتهاوس السينمائي.
ويشكل الدعم المؤسساتي من وزارة الاتصال والمركز السينمائي المغربي عاملا حاسما في تطور السينما الوثائقية الحسانية، هذا الدعم فتح الباب أمام جيل جديد من المخرجين للتعبير عن رؤاهم وتوثيق تراثهم الثقافي الغني، خاصة وأن الثقافة الحسانية في أساسها ثقافة شفهية تحتاج إلى التوثيق والحفظ.
وتبقى مسؤولية الأجيال الصاعدة من الإعلاميين والسينمائيين كبيرة في الحفاظ على هذا الإرث الثقافي وتطويره، فكما يشير ميارة، فإن الفرص متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، مع توفر المعاهد التخصصية والتكوينات المهنية التي تؤهل الشباب لخوض غمار الإبداع السينمائي.
إن نجاح الوثائقيات الحسانية في المهرجانات الدولية يؤكد قدرة هذا النوع السينمائي على تجاوز الحدود المحلية والوصول إلى الجمهور العالمي، فمن خلال عدسة الكاميرا، تنقل هذه الأعمال صورة حية عن الثقافة الحسانية بكل تفاصيلها وخصوصيتها، مساهمة في الحفاظ على هذا التراث الإنساني الثري وتعريف العالم به.