أكد المحامي محمد بلفقيه، عضو هيئة المحامين بطنجة، على دور المحامي في الوظيفة الإنشائية للقضاء الإداري وكيفية تحقيق التوازن بين هذه الوظيفة وحماية الحقوق، جاءت مداخلة بلفقيه في إطار ندوة حضرها عدد من الخبراء والقضاة، على رأسهم رئيس مجلس الدولة المصري والوفد المرافق له، حيث سلط الضوء على التحديات والفرص التي يواجهها المحامون في تعزيز العدالة الإدارية.
وأكد بلفقيه خلال الندوة التي نظمتها محكمة الاستئناف الإدارية بطنجة، أن المحامي يلعب دورا محوريا في تطور القضاء الإداري، مشيرًا إلى أن التطور الإداري الذي شهده المغرب في العقود الأخيرة أدى إلى زيادة حجم المنازعات الإدارية، مما تطلب معالجة قانونية عادلة تتلاءم مع هذا التطور.
وأوضح الأتاذ بلفقيه، أن القضاء الإداري لم يعد قضاء تطبيقيا فحسب، بل تعدى ذلك إلى إبداع وإنشاء القواعد القانونية، خاصة في حالات عدم وجود نصوص قانونية تحكم النزاعات المعروضة.
وأشار بلفقيه إلى أن المحامي يعتبر شريكا أساسيا في منظومة العدالة، حيث يسهم في تفسير النصوص القانونية الغامضة والمبهمة، ويقدم اجتهاداته التي غالبا ما يأخذ بها القاضي إذا توافقت مع مبادئ العدالة. وأضاف أن المحامي يتمتع بمساحة واسعة من حرية التفسير في المنازعات الإدارية، مقارنة بالمنازعات المدنية أو الجنائية، وذلك بسبب طبيعة القانون الإداري غير المقنن في متن واحد.
وانتقل بلفقيه إلى الحديث عن مسؤولية المحامي في تحقيق التوازن بين الوظيفة الإنشائية للقضاء الإداري وحماية حقوق الأفراد، مؤكدا أن القضاء الإداري هو قضاء التوازن بين السلطة والحرية، وبين المصلحة العامة التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها ومصلحة الأفراد الخاصة.
وأشار إلى أن التطور الذي شهده نشاط الدولة في مختلف المجالات فرض على القاضي الإداري مواكبة هذه التطورات، مما يتطلب من المحامي أيضا أن يكون على نفس القدر من التكيف مع هذه المستجدات.
وتطرق بلفقيه إلى الإشكالات التي تواجه المحامي في المنازعات الإدارية، خاصة فيما يتعلق باحترام الآجال الشكلية للتقاضي، والتي تختلف بين المنازعات الضريبية وغيرها من المنازعات الإدارية، داعيا إلى ضرورة تدخل المشرع لتوحيد هذه الآجال، خاصة في المادة الضريبية، حيث تعددت الآجال وأصبحت تشكل عائقًا أمام حماية الحقوق.
وأكد بلفقيه أن تنفيذ الأحكام القضائية يظل التحدي الأكبر في تحقيق العدالة، حيث تعاني الإدارة من تقاعس في تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها، مما يفرغ الجهود المبذولة في التقاضي من محتواها. وأشار إلى أن المحامي يلجأ إلى عدة آليات قانونية لدفع الإدارة إلى التنفيذ، مثل الغرامة التهديدية المنصوص عليها في المادة 484 من قانون المسطرة المدنية، أو آلية الحجز لدى الغير.
وأضاف أن هناك اجتهادات قضائية مهمة عملت على تجاوز النصوص القانونية المقيدة لتنفيذ الأحكام، مثل قرارات محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط التي أقرت بإمكانية الحجز لدى الغير في حال امتناع الإدارة عن التنفيذ. ومع ذلك، أعرب بلفقيه عن قلقه من التعديلات الأخيرة التي أدخلها المشرع المغربي على قانون المسطرة المدنية، والتي تقيد من إمكانية الحجز على الأموال العمومية، مما قد يعيق تنفيذ الأحكام القضائية في المستقبل.
واختتم بلفقيه مداخلته بالتأكيد على أن المحامي يظل شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة وحماية الحقوق، سواء من خلال مساهمته في إنشاء القواعد القانونية أو من خلال دفاعه عن حقوق الأفراد في مواجهة الإدارة. ودعا إلى ضرورة مواكبة المحامي للتطورات التي يشهدها القضاء الإداري، وتعزيز التعاون بين جميع الأطراف لضمان تحقيق العدالة بشكل عادل وفعال.
جدير بالذكر أن الندوة التي نظمتها محكمة الاستئناف الإدارية بطنجة كانت فرصة لتبادل الخبرات والرؤى بين الخبراء والقضاة والمحامين، حيث أثارت نقاشات عميقة حول مستقبل القضاء الإداري ودور المحامي في تعزيزه.