شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين المغرب ودول القارة الأفريقية تطورا ملحوظا خلال العقد الأخير، حيث ارتفعت قيمة المبادلات التجارية من 36.3 مليار درهم (3.6 مليارات دولار) في عام 2013 إلى 52.7 مليار درهم (5.2 مليارات دولار) بحلول عام 2023، مسجلة نمواً يفوق 45% خلال هذه الفترة.
وتمثل الصادرات المغربية الموجهة إلى الدول الأفريقية ما نسبته 7.6% من إجمالي صادرات المملكة، وتتنوع بين الفوسفات ومشتقاته، والسيارات، ومنتجات الصيد البحري، والمنتجات الجلدية، والمعدات الكهربائية، فضلاً عن النسيج والملابس.
وكشفت دراسة أعلن عنها كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، عمر حجيرة، في وقت سابق، عن إمكانية زيادة الصادرات المغربية نحو القارة السمراء بحوالي 12 مليار درهم (1.2 مليار دولار) إضافية من خلال تنويع سلة المنتجات المصدرة.
ووفق الدراسة، يمكن للصادرات المغربية أن تتعزز بنحو 4 مليارات درهم (400 مليون دولار) في دول شمال أفريقيا عبر إضافة 143 منتجا جديدا، كما يمكنها أن ترتفع بقيمة 6 مليارات درهم (600 مليون دولار) في غرب أفريقيا بإضافة 159 منتجا، إضافة إلى 1.1 مليار درهم (100 مليون دولار) في جنوب أفريقيا من خلال تصدير 189 منتجا إضافيا.
ولم يقتصر التوسع المغربي على الصادرات فحسب، بل شمل أيضا تدفق الاستثمارات المباشرة نحو القارة، حيث باتت أفريقيا الوجهة الرئيسية للاستثمارات المغربية بنسبة 51% من إجمالي استثمارات المملكة في الخارج خلال الفترة ما بين 2018 و2022.
وارتفعت قيمة هذه الاستثمارات من 100 مليون دولار في 2014 إلى أكثر من 800 مليون دولار في 2021، لتصل إلى قرابة مليار دولار في 2024، مما يجعل المغرب ثاني أكبر مستثمر في القارة.
وتتصدر السنغال قائمة الدول المستقبلة للاستثمارات المغربية في 2022، تليها الكاميرون وبوركينا فاسو والغابون ثم ساحل العاج. ويعزو الخبراء هذا النمو المتسارع إلى السياسة الاستشرافية التي تنهجها المملكة في علاقاتها مع أفريقيا، والتي تتلاءم مع طموحات القارة في إطار أجندة 2063.
واستعرض خبراء، الشراكة الاقتصادية المغربية الأفريقية، مقسمينها إلى ثلاث مراحل أساسية، تمتد الأولى من سنة 2000 إلى 2016 وتسمى “الشراكة الاقتصادية الثنائية المتمركزة في الدول الفرنكوفونية”، وتميزت بارتفاع ملحوظ في المبادلات التجارية بين المغرب وباقي الدول الأفريقية، حيث كانت الصادرات تتكون أساساً من المواد الغذائية والفوسفات ومشتقاته وبعض المواد المصنعة.
أما المرحلة الثانية، التي امتدت بين 2016 و2021، فأطلق عليها “مرحلة الشراكة الإقليمية المتعددة الأبعاد”، وهي التي تلت عودة المغرب للاتحاد الأفريقي، وخلالها قرر التوجه نحو أفريقيا الإنجلوفونية متحدياً العراقيل الجغرافية واللغوية، مما نتج عنه إبرام مجموعة من الاتفاقيات الإستراتيجية في مجال الأمن الغذائي وانخراط المغرب في مشروع منطقة التبادل الحر القارية الأفريقية.
وتمثل المرحلة الثالثة “مرحلة الشراكة القارية الإستراتيجية”، والتي من شأنها تعزيز التنمية في أفريقيا عن طريق الاستثمار في البنيات التحتية وخلق منصات صناعية لتحويل الموارد الطبيعية داخل أفريقيا في إطار التعاون الأفريقي-الأفريقي.
هذا وأطلق المغرب عددا من المشاريع الإستراتيجية مع شركائه الأفارقة، أبرزها المبادرة الأطلسية التي تهدف إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي الذي يعزز التكامل الاقتصادي بين دول غرب أفريقيا.
وتضم القارة الأفريقية حوالي 1.3 مليار مستهلك، ويناهز الناتج الداخلي لدولها 3.4 تريليونات دولار، مما يجعلها سوقاً واعدة ومغرية للشركات المغربية ولتعزيز الصادرات نحو هذه السوق. ومع دخول منطقة التجارة الحرة الأفريقية حيز التنفيذ في يناير 2021، والتي تضم 53 دولة، من المتوقع أن تفتح آفاقاً جديدة أمام المبادلات التجارية والاستثمارات المغربية في القارة.
ورغم النمو المطرد في العلاقات الاقتصادية المغربية الأفريقية، تبقى هناك تحديات عدة، أبرزها عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول الأفريقية الذي يعرقل تنفيذ المشاريع الاستثمارية، ومحدودية تنوع المنتجات المغربية المصدرة وضعف قيمتها المضافة، فضلاً عن صعوبات تمويل الشركات الصغرى والمتوسطة المغربية الراغبة في دخول الأسواق الأفريقية، والمنافسة الدولية الشرسة على الأسواق الأفريقية.
وأمام هذه التحديات، يرى خبراء أن المغرب مطالب بتنويع منظومة الإنتاج الموجهة إلى القارة الأفريقية والاستثمار في القطاعات الحيوية ذات القيمة المضافة العالية، خاصة في ظل تطاحن القوى الاقتصادية العالمية على النفوذ في القارة السمراء، حيث يمكن أن يلعب المغرب دوراً محورياً في بناء أفريقيا موحدة ومتكاملة اقتصادياً قائمة على مبدأ “رابح-رابح”.