أظهرت دراسة ميدانية حديثة، نُشرت في عدد مارس 2025 من مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل، تحولا ملحوظا في ثقافة الزواج في الوسط القروي بالمغرب، لا سيما في إقليم الرحامنة.
حيث أكدت الدراسة أن 44.5% من الفتيات القرويات اللائي تزوجن في سن مبكرة اعتمدن في ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي أو التعارف العفوي، وهو ما يعد تحولاً كبيراً في طريقة اختيار الزوجة في المناطق الريفية.
وبينت الدراسة، التي تناولت موضوع “زواج القاصرات في الوسط القروي المغربي: إرادة المجتمع وإكراه القانون”، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دورًا محوريًا في تغيير العقلية السائدة، حيث إن 16.7% من الفتيات تزوجن عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وهي نفس النسبة التي تزوجت من خلال المعارف أو الصدفة.
كما أظهرت الدراسة أن 44.4% من حالات الزواج كانت عبر وساطة العائلة، وهو ما يعكس استمرار بعض جوانب الثقافة التقليدية المتعلقة بالزواج في القرى.
ومن أبرز النتائج التي كشفت عنها الدراسة، أن 88.8% من الفتيات اللاتي تزوجن في سن مبكرة أكدن أن زواجهن هو الأول داخل أسرهن، وهو ما يعكس تنامي ظاهرة الزواج المبكر في بعض المناطق.
وفي المقابل، أشار 72.2% من الفتيات إلى أن الفتاة التي لا تتزوج في سن مبكرة تُعتبر “بايرة”، ما يسلط الضوء على التحديات الاجتماعية المرتبطة بالزواج المبكر، خاصة في المناطق القروية.
وأوضحت الدراسة أن من بين العوامل التي تدفع الفتيات إلى الزواج المبكر، نجد الانقطاع عن الدراسة، حيث أن 77.8% من الفتيات اللائي تزوجن قبل سن 18 سنة لم يكملن تعليمهن بعد المستوى الابتدائي.
كما تساهم رغبة الفتيات في الاستقرار وتكوين أسرة، بنسبة 38.8%، في اتخاذ قرار الزواج المبكر، بالإضافة إلى العوامل المرتبطة بالحب والرغبة في الحرية.
ورغم هذا التحول في عقلية الفتيات، أكدت الدراسة أن الزواج المبكر لا يزال يمثل حلاً “للخلاص” من الضغوط الأسرية والمعاناة، حيث يُنظر إليه من قبل العديد من الفتيات على أنه وسيلة للابتعاد عن الرقابة الأسرية والوصول إلى الاستقلال.
هذه الرغبة في التحرر جعلت بعض الفتيات يعتقدن أن الزواج المبكر هو “مفتاح للسعادة” رغم ما قد يترتب عنه من مشاكل مستقبلية قد تؤثر على استقرار حياتهن.
وفيما يخص الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، أشار الباحثون إلى أن الفقر والضائقة المالية يساهمان بشكل كبير في استمرار ظاهرة الزواج المبكر. فقد يعتبر بعض الأسر أن الزواج المبكر يمثل حلاً لحماية سمعة الأسرة والابتعاد عن وصمة العار، إضافة إلى أنه يساعد في التخفيف من العبء المالي على العائلة.
من جانب آخر، أكدت الدراسة على أن الرغم من المبادرات القانونية والاجتماعية الهادفة إلى الحد من زواج القاصرات، إلا أن الظاهرة لا تزال منتشرة في الوسط القروي، ما يعكس تحدياً كبيراً أمام المجتمع المدني والمشرعين لمكافحة هذه الظاهرة التي تتغذى من عوامل ثقافية واقتصادية عميقة الجذور.
وفي الختام، توضح هذه الدراسة أن الظواهر الاجتماعية لا تتغير بين عشية وضحاها، إذ لا يزال المجتمع القروي في المغرب يعاني من تقاليد قديمة تؤثر على حياة الفتيات، وهو ما يتطلب مزيداً من التوعية والتنمية الاجتماعية للقضاء على ممارسات الزواج المبكر.

