مرة أخرى، تجد مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، نفسها في مواجهة شبح العطش، ففي يوم الثلاثاء 27 ماي 2025، أصدر المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE) – قطاع الماء، بلاغاً يعلن فيه عن “انخفاض مؤقت” في إنتاج المياه الصالحة للشرب، شمل مدينة العيون والمراكز المجاورة لها كالمرسى وفم الواد.
وبينما أرجع المكتب السبب إلى “عطب تقني يتطلب أشغالاً استعجالية” في محطة تحلية مياه البحر، ووعد بحل المشكلة في غضون 30 ساعة، أعاد هذا الإعلان إلى الأذهان معاناة متكررة للسكان مع ندرة المياه، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، ليطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة مجرد حادث تقني عابر أم أنها عرض جديد لمشكلة هيكلية أعمق تتطلب حلولاً جذرية ومستدامة.
الرواية الرسمية: عطب تقني وتدابير استثنائية
وفقاً للبلاغ الرسمي الصادر عن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، فإن الاضطراب الحالي في توزيع المياه يعود بشكل مباشر إلى عطب تقني طارئ استدعى تدخلاً عاجلاً في محطة تحلية مياه البحر، التي تعتبر شريان الحياة المائي للمدينة والمناطق المحيطة بها. وأوضح البلاغ أن هذه الأشغال الاستعجالية ستؤدي حتماً إلى “تقليص في الإنتاج بنسبة 25%”، مما سيؤثر على برنامج التوزيع المعتاد للمياه الصالحة للشرب.
وللتعامل مع هذا الوضع الطارئ، أكد المكتب أنه قام بتعبئة فرقه التقنية للعمل على إصلاح العطب “في وقت وجيز” بهدف الحفاظ على تجهيزات المحطة والرفع من قدرة إنتاجها. وفي انتظار انتهاء الأشغال، أشار البلاغ إلى اتخاذ “تدابير استثنائية لضمان توزيع عادل للمياه الصالحة للشرب”. وشملت هذه التدابير، بحسب المصدر ذاته، وضع برنامج تقنين يتضمن انقطاعات مؤقتة وإعادة توزيع المياه وفق جدول زمني محدد، وذلك بهدف ضمان “تغطية مثلى للمناطق الأكثر تأثراً”.
وفي ختام بلاغه، وجه المكتب شكراً للسكان على “تفهمهم وتعاونهم”، مؤكداً أن جميع التدابير قد اتخذت “لاستعادة الوضع الطبيعي في مدة لا تتجاوز 30 ساعة”. هذه الرواية الرسمية تركز على الطابع التقني والمؤقت للمشكلة، وتقدم تطمينات بقرب انفراج الأزمة.
ما وراء البلاغ: أزمة متكررة ومعاناة مستمرة
على الرغم من التطمينات الرسمية، فإن واقع الحال في مدينة العيون يرسم صورة أكثر تعقيداً وقلقاً، فبالنسبة للعديد من السكان والفاعلين المحليين، لا يمثل هذا الانقطاع الأخير سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من المعاناة مع ندرة المياه، وهي أزمة تبدو وكأنها تتجدد بشكل شبه سنوي، لا سيما خلال أشهر الصيف الحارة التي يزداد فيها الطلب على هذه المادة الحيوية.
مصادر محلية، إلى أن “أزمة المياه عادت إلى العيون، لتعود معها مهمة البحث عن صهاريج المياه والتجمهر أمام خزانات المياه”، مضيفاً أن المدينة عرفت هذه الأزمة “منذ شهر، دون حلول جذرية من لدن مسؤولي المكتب”.
وشددت المصادر عينها على معاناة الأحياء الشرقية للمدينة بشكل خاص، مثل أحياء الدويرات والأمل والعودة، و25 مارس، ونقل شكاوى السكان من “شح المعلومات المتعلقة بأزمة المياه، وعدم إخبار السلطات الترابية المواطنين بمدة انقطاع الماء”.
تأثير الأزمة على حياة السكان اليومية
بعيداً عن لغة البلاغات الرسمية والبيانات السياسية، تتجسد أزمة المياه في تفاصيل الحياة اليومية لسكان العيون، فالانقطاعات المتكررة، سواء كانت مبرمجة ضمن “تدابير استثنائية” أو مفاجئة، ترغم العديد من الأسر على تغيير نمط حياتها والبحث المضني عن قطرة ماء، بالإضافة إلى مشاهد التجمهر حول نقاط توزيع المياه المؤقتة أو صهاريج المياه التي تجوب الأحياء أصبحت مألوفة، خاصة في المناطق التي تعاني بشكل أكبر من ضعف الضغط أو الانقطاعات الطويلة.
تزداد المعاناة حدة في الأحياء التي تقع في مناطق مرتفعة أو تلك التي تقع في أطراف الشبكة، حيث يصل الماء بصعوبة أكبر حتى في الأوقات العادية، ومع تطبيق برامج التقنين، قد تجد هذه الأحياء نفسها محرومة من المياه لساعات طويلة، مما يؤثر على النظافة الشخصية، والأعمال المنزلية، وحتى على الأنشطة الاقتصادية الصغيرة التي تعتمد على الماء.
كما أن نقص التواصل الذي أشارت إليه مصادر محلية، في بعض الأحيان يزيد من حالة الإرباك والقلق لدى المواطنين. فعدم معرفة مواعيد الانقطاع ومدته يجعل من الصعب على الأسر تدبير احتياجاتها المائية بشكل فعال، ويتركها تحت رحمة الشائعات أو المعلومات غير الدقيقة.
الأسباب المحتملة والحلول المنشودة:
تبقى الأسباب الجذرية وراء تكرار أزمة المياه في العيون محل نقاش. فبينما يشير البلاغ الرسمي الأخير إلى “عطب تقني”، تتحدث مصادر محلية عن مشاكل أعمق قد تتعلق بالبنية التحتية المتقادمة لشبكة التوزيع، أو عدم كفاية قدرة محطة التحلية لمواكبة النمو الديموغرافي والعمراني المتسارع للمدينة، أو حتى تحديات مرتبطة بإدارة الموارد المائية في منطقة ذات مناخ صحراوي جاف بطبيعته.
ويضاف إلى ذلك تأثير التغيرات المناخية التي تزيد من حدة الظواهر الجوية القصوى كالجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضع ضغطاً إضافياً على الموارد المائية المحدودة.
أمام هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بحلول جذرية ومستدامة تتجاوز الإصلاحات المؤقتة، وتشمل هذه الحلول المحتملة الاستثمار في توسعة وتحديث محطة تحلية مياه البحر لزيادة طاقتها الإنتاجية، وتأهيل شبكة توزيع المياه للحد من التسربات والهدر، بالإضافة إلى تعزيز حملات التوعية لترشيد استهلاك المياه لدى المواطنين.
كما يبرز دور الطاقات المتجددة كخيار استراتيجي لتشغيل محطات التحلية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل على المدى الطويل، وهو توجه يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للمغرب في مجال الطاقة والمياه.