في حوار صريح لموقع “فبراير”، سلّطت الأستاذة الجامعية والباحثة في الأدب المقارن، سناء غواتي، الضوء على جملة من الإشكالات البنيوية التي تعيق العمل الثقافي والأكاديمي في المغرب، مشددة على أن المبادرات الفردية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تعوّض غياب رؤية مؤسساتية واضحة للنهوض بالمشهد الثقافي والمعرفي الوطني.
من موقعها كعضو نشيط في جمعية الباحثين في الأدب المغاربي، استعرضت غواتي تجربة الجمعية التي وُلدت قبل ظهور المختبرات الجامعية، وكانت منصةً لاحتضان كبار الباحثين وتنظيم لقاءات شهرية تجوب الجامعات والمراكز الثقافية. لكنها اليوم، في ظل شحّ الموارد، تجد نفسها مهددة بالتوقف، على الرغم من تراكمها العلمي ورصيدها المجلاتي. وقالت: “لدينا عددان جاهزان من المجلة (17 و18)، لكن بدون تمويل لا يمكننا الاستمرار. كل المشاريع الثقافية تحتاج إلى تمويل، ولو رمزي، فقط لضمان الحد الأدنى من الاحتراف والاستمرارية”.
وتأسفت غواتي لتوقف وزارة الثقافة عن دعم الجمعية ومجلتها، فيما أوضحت أن مؤسسة “كروش” كانت قد تكفلت بدعم المجلة من عددها السادس إلى الخامس عشر، مما مكن من إطلاق إصدارات غنية ومؤتمرات وطنية وازنة، قبل أن يتوقف هذا الدعم لاحقًا. وهو ما دفع الجمعية إلى التفكير في مراجعة شكل وجودها وإعادة التأسيس.
وفي معرض حديثها عن العلاقة مع اللغة الفرنسية، رفضت غواتي القراءات التي ترى في استعمال هذه اللغة تنكّرًا للهُوية، موضحة أن “الفرنكوفونية التي نحملها ليست فرنكوفونية العقل بل فرنكوفونية اللسان”، وأن استخدامها ليس سوى وسيلة لتسويق الثقافة المغربية خارج الحدود. وأكدت أن اللسان الفرنسي لا يمسّ بالانتماء، قائلة: “نحن مغاربة مائة بالمائة، والعقل مغربي، لكن اللغة أداة تواصل فقط”.
وبموازاة العمل الجمعوي، استعرضت الباحثة مسارها في الترجمة، حيث أشرفت على ثلاث دورات للجنة التبريز في الترجمة، بعد سنوات من العمل ضمن لجنة التبريز في اللغة الفرنسية، وعبّرت عن حبها للغة العربية واهتمامها بالترجمة كأداة لفهم الذات والانفتاح على الآخر. كما أشارت إلى عملها ضمن فريق مغربي على إعداد أنطولوجيا ثقافية تغطي قرنًا كاملًا (1904-2004) بالتعاون مع جلال الحكماوي وكينزاس فريوي، في مشروع يهدف إلى تعريف الآخر بالثقافة المغربية من خلال الترجمة إلى الفرنسية.
وفي نفس السياق، ثمّنت غواتي إطلاق فرنسا لبرنامج “Livre de Dérive”، الذي يرمي إلى ترجمة الأدب المغربي إلى الفرنسية والعكس، معتبرة أن هذا النوع من المبادرات يُسهم في تصحيح التصورات النمطية حول المغرب وتقديم صورته كما هي، لا كما تُستهلك في الخيال الاستشراقي.
وعن موقعها كأستاذة جامعية، شددت غواتي على أهمية تدريس أدب المرأة داخل الجامعة، مؤكدة أن هذا الأدب ليس أقل قيمة من الكتابات الذكورية، بل يحمل نبرة ذاتية وجرأة خاصة. وأوضحت أنها كانت تُدرّس مادة “الأدب النسائي”، رغم الانتقادات التي تطال هذا التصنيف. وقالت: “قد يقول البعض إن الأدب لا جنس له، لكن تخصيص حيز أكاديمي لأدب النساء هو اعتراف بوجود صوت ظل لسنوات في الهامش”.
وربطت غواتي هذا التوجه النسائي الأكاديمي بانخراطها الواسع في تنظيم الندوات العلمية التي تحتفي بأدب المرأة، وبدراساتها التي تتجاوز الأجناس الأدبية التقليدية. فهي تشتغل على ما تسميه “الأدب الذي لم يُعتبر أدبًا بعد”، مثل الشذرية، والتبرع، ونصوص الغضب، والإسلام كموضوع ثقافي. وقالت: “هذه الأشكال لم تنل بعدُ حظها من الدراسة الأكاديمية، لكنني أعتبرها أنماطًا إبداعية تستحق الاهتمام”.
كما أشارت إلى أن هذا المسار البحثي يرتبط أيضًا بتجربتها السابقة ضمن مجموعة بحث عالمية مختصة في “الدراسات البراخية”، أي كل ما هو مكثف وقصير وله وظيفة محددة، وهو ما يتقاطع مع رؤيتها للأدب والفن كمجالين لا يحتكرهما المركز وحده، بل يزدهران أيضًا من الهامش.
واختتمت سناء غواتي حوارها بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي ليس فقط في النيات الفردية، بل في الإرادة المؤسساتية، مشددة على أن الدولة مطالبة بوضع الثقافة في صلب استراتيجياتها، لأن “ما لا تقوم به الدولة، لن تقدر عليه الجمعيات وحدها، مهما بلغت نياتها أو اجتهادها”.