في سابقة غير معهودة في تاريخ الصراع الإسرائيلي الإيراني، نفذت إسرائيل فجر الجمعة 13 يونيو 2025، عملية عسكرية واسعة في العمق الإيراني استهدفت كبار قادة الحرس الثوري وهيئة الأركان، إلى جانب عدد من العلماء النوويين، ضمن خطة سرية وُصفت في الإعلام العبري بأنها “أوسع وأخطر من أي وقت مضى”، وحملت اسمًا مثيرًا للجدل: “الزفاف الأحمر”، في إحالة مشحونة على مشهد دموي شهير من مسلسل “صراع العروش”.
ووفق معطيات نشرها موقع “والا” العبري، فإن التخطيط للعملية بدأ منذ نونبر 2024، عندما اجتمع كبار ضباط شعبة الاستخبارات العسكرية وسلاح الجو، بالتوازي مع العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، بهدف وضع تصور لاستهداف “مراكز الثقل” في بنية القيادة العسكرية الإيرانية.
وتطورت الخطة لاحقًا إلى مشروع اغتيالات منسقة، شارك في صياغته أكثر من 120 ضابطًا من رتب متقدمة، في اجتماع مغلق بمقر وحدة 8200، امتد على مدى ثلاثة أشهر من التحليل الاستخباراتي، دون التمكن من تحديد نقطة اختراق فعالة في النظام الدفاعي الإيراني، وهو ما دفع في نهاية المطاف إلى تبني خيار الهجوم المباشر والمتزامن في عدة مواقع استراتيجية.
الهجوم الذي نُفذ على مدى 12 دقيقة فقط، شاركت فيه أكثر من 200 طائرة مقاتلة، استهدفت أزيد من 100 موقع عسكري وأمني إيراني، وشمل اغتيال عدد من القيادات البارزة، بينهم محمد حسين باقري، رئيس هيئة الأركان العامة، وحسين سلامي، قائد الحرس الثوري، واللواء غلام علي رشيد، قائد مقر الطوارئ “خاتم الأنبياء”، إلى جانب ستة علماء نوويين من الصف الأول. وأفادت مصادر إسرائيلية أن العملية استهدفت مسؤولين وهم في منازلهم، وبعضهم داخل غرف نومهم، بينما نُفّذت الاغتيالات الأخرى في مقار القيادة والسيطرة.
وشكلت الضربة المفاجئة ارتباكًا عميقًا في هرم القيادة الإيرانية، إذ فقدت طهران في لحظات حرجة عناصرها الأساسية في اتخاذ القرار الميداني، ما جعل الجيش والحرس الثوري يواجهان صعوبة في فهم الوضع وتنسيق الردود خلال الساعات الأولى من العملية.
ولم تتأخر طهران كثيرًا في الرد، إذ أطلق الحرس الثوري في اليوم السادس عشر من التصعيد موجة صاروخية استهدفت تل أبيب والقدس ومدنًا مركزية أخرى، مستخدمًا صواريخ “فتّاح” الباليستية، ومعلنًا أن هذه الضربة تمثل بداية نهاية التفوق الجوي الإسرائيلي.
في مقابل ذلك، أكدت الحكومة الإسرائيلية أن العملية “لن تنتهي قبل استهداف منشآت نووية أخرى” من بينها منشأة “فوردو” تحت الأرض، فيما توعد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالقضاء على التهديد الإيراني من جذوره، معتمدًا في ذلك على التفوق التكنولوجي والجوي، والدعم الاستراتيجي من الحليف الأمريكي.
أما واشنطن، فرغم موقفها الملتبس، فقد أبقى الرئيس دونالد ترامب على غموض استراتيجي في تعامله مع التصعيد، مكتفيًا بالقول إنه “قد يضرب، وقد لا يضرب”، لكنه أعاد التأكيد على ضرورة استسلام إيران بشكل غير مشروط، زاعمًا أن التهديد الإيراني للولايات المتحدة مستمر منذ عقود.
في المقابل، صعّد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، من لهجته، مؤكدًا أن الشعب الإيراني “لن يرضخ لحرب مفروضة ولا لسلام مفروض”، موجها تحذيرًا إلى الولايات المتحدة من أن أي تدخل عسكري مباشر “ستكون له تداعيات لا يمكن تداركها”. بينما دعا رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي سكان تل أبيب وحيفا إلى مغادرتهما، محذرًا من عمليات عقابية وشيكة ستنفذها إيران في العمق الإسرائيلي.
يشار ان عملية “الزفاف الأحمر” فتحت فصلًا جديدًا من الصراع، يذهب أبعد من مجرد تبادل الضربات أو الحرب بالوكالة، نحو نمط من الاشتباك المفتوح الذي قد لا تملك أطرافه التحكم في نهاياته.
ففي ظل التلويح المستمر بالقوة، وتبادل الرسائل الصاروخية، واستهداف الرموز العليا، تتجه المنطقة إلى مواجهة حادة، قد تعيد تشكيل توازن الردع في الشرق الأوسط، وتدفع بالمجتمع الدولي إلى مراجعة معايير أمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي، ومستقبل المعادلات الجيوسياسية بين طهران وتل أبيب، في ظل غياب وساطات فاعلة، وتفاقم هامش الفوضى الاستراتيجية.

