دعت دراسة حديثة صادرة عن المنتدى المغربي للصحافيين الشباب إلى ضرورة مراجعة شاملة للنموذج الحالي للتنظيم الذاتي للصحافة في المغرب، مؤكدة أن تجربة المجلس الوطني للصحافة، رغم أهميتها، لا تزال تواجه تحديات كبرى على مستوى استقلالية القرار، ونجاعة الأداء، وتجديد الهياكل.
وأكدت الدراسة أن إصلاح هذا النموذج يجب أن يسير في مسارين متوازيين، أولهما داخلي يهم تعزيز ديمقراطية المجلس وفعاليته، وثانيهما خارجي يستهدف جعله نموذجًا إقليميًا يحتذى به، كبديل ديمقراطي في محيطه العربي والإفريقي.
الوثيقة، المنجزة في إطار مشروع “تعزيز وتمكين الإعلام المهني المستقل” بتمويل من الصندوق الوطني للديمقراطية، شددت على ضرورة الفصل التام بين التنظيم الذاتي والسلطة التنفيذية، من خلال تعديل الإطار القانوني بما يمنع أي تبعية إدارية أو تمويل مباشر من الحكومة.
كما أوصت بوقف تمديد ولاية المجلس بقرارات حكومية، والعودة إلى تنظيم انتخابات دورية شفافة في آجال قانونية مضبوطة، بما يعزز شرعيته الديمقراطية.
وأوصت الدراسة بإعادة النظر في المادة 10 من قانون الصحافي المهني، عبر حذف التنصيص على تدخل السلطة التنظيمية في إصدار النصوص المؤطرة لبطاقة الصحافة المهنية، وتمكين المجلس الوطني من صلاحية وضع مسطرتها بشكل حصري، بما يعزز من استقلاليته التنظيمية.
وفي ما يخص آليات تشكيل المجلس، اقترحت الدراسة تكوين لجنة إشراف على الانتخابات تضم قاضياً، وممثلاً عن النيابة العامة، وأستاذاً جامعياً، وممثلين عن الحكومة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مع إدراج مسطرة قانونية محددة في القانون المنتظر تؤطر عمل اللجنة.
وفي مستوى تكوين المجلس، دعت الوثيقة إلى توسيع العضوية لتشمل فاعلين في المجتمع المدني من جمعيات الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان، وكذا أساتذة جامعيين في الإعلام والتواصل، مع اعتماد نظام اقتراع فردي أو تمثيلي نسبي مفتوح يضمن تمثيلية أوسع للصحافيين، ويفتح المجال لانتخابات أكثر شفافية وتنوعاً، دون الوقوع في العشوائية أو الشعبوية، مع ضرورة إرفاق الترشح بمعايير موضوعية تتعلق بالنزاهة والكفاءة والاستقلالية.
وعلى مستوى آليات المساءلة، أكدت الدراسة على أهمية نشر تقارير دورية حول أداء المجلس ومدى التزام المؤسسات الإعلامية بأخلاقيات المهنة، إلى جانب وضع مساطر للطعن والإنصاف في القرارات الإدارية، وإعمال مقاربة تشاركية في اتخاذ القرارات، بما يعزز الشفافية ويكرس روح الوساطة والتحكيم.
كما سلطت الوثيقة الضوء على الحاجة إلى تحيين ميثاق أخلاقيات المهنة، ليتلاءم مع التحديات الرقمية الجديدة ومنصات التواصل والذكاء الاصطناعي، مع منح المجلس صلاحيات تنفيذية واضحة لفرض قراراته، وتطوير استراتيجية مواجهة التحولات الرقمية بمهنية.
واقترحت الدراسة إحداث صندوق مستقل لتمويل التنظيم الذاتي، يجمع بين مساهمات الدولة والمجتمع المدني والممولين الدوليين، شريطة احترام استقلال القرار التحريري والمهني للمجلس.
ولم تغفل الدراسة جانب التكوين والتوعية، حيث أوصت بإحداث وحدات تكوينية للصحافيين في الميادين الجديدة، وتنظيم حملات توعية بأخلاقيات المهنة، مع الدفع نحو تحويل المجلس إلى مرجعية إقليمية، عبر شراكات مع مجالس مماثلة وإصدار تقارير بلغات متعددة تتفاعل مع الآليات الأممية والقارية، من قبيل مجلس حقوق الإنسان بجنيف، واليونسكو، والاتحاد الإفريقي.
وفي ما يتعلق بتحصين المهنة، دعت الوثيقة إلى إعادة الاعتبار لمهنة الصحافة، من خلال سن شروط واضحة في مديري النشر، تتضمن شرط الشهادة الجامعية والخبرة المهنية، إضافة إلى اعتماد برنامج تكويني خاص بالملتحقين الجدد بالمهنة. كما اقترحت تخصيص نظام خاص بالمصورين والتقنيين، يحدد مهامهم بدقة، ويشترط حصولهم على دبلوم تقني متخصص، مع الخضوع لتكوين في أخلاقيات المهنة والتصوير الصحافي.
وخَلُصت الدراسة إلى أن التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب، رغم كونه مكسباً دستورياً ومهنياً، لا يزال في حاجة إلى مراجعة شاملة تؤسس لمجلس أكثر فعالية، يحظى بثقة الجسم الصحافي والمجتمع، ويشكل رافعة نحو صحافة حرة ومسؤولة تؤطرها الأخلاقيات وتضمنها المؤسسات.