السياسيون المغاربة ومنصات التواصل: صراع بين ضرورة الحضور الرقمي ومقاومة الثقافة التقليدية
في عصر أصبحت فيه منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للمواطنين، خاصة الشباب، يجد المشهد السياسي المغربي نفسه أمام تحدٍ جديد: هل يمكن للسياسيين مواكبة هذه الثورة الرقمية أم سيبقون أسرى لأساليب التواصل التقليدية؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة، كاشفاً عن فجوة ثقافية وجيلية بين من يرى في العالم الرقمي ضرورة حتمية، ومن يعتبره مجرد واجهة “مزيفة” لا تعكس العمل الحقيقي على أرض الواقع.
لم يعد من الممكن تجاهل القوة الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي. لقد تحولت من مجرد مساحات للترفيه إلى منصات مؤثرة تشكل الرأي العام وتحدد الأولويات. من هذا المنطلق، ترتفع الأصوات، خاصة من الأجيال الجديدة، مطالبةً السياسيين بتغيير طريقة تواصلهم. فالتواصل العمودي واللغة الخشبية لم يعودا قادرين على جذب انتباه شاب يقضي ساعات في تصفح محتوى سريع ومباشر.
إن تبني هذه المنصات لا يعني فقط نشر صور أو بيانات صحفية، بل هو دعوة لتقديم السياسة في قالب جديد أكثر شفافية وقرباً. فمن خلالها، يمكن للنائب البرلماني أن يعرض مصداقيته وعمله الميداني لجمهور أوسع بكثير من دائرته الانتخابية، مما “يقرب البعيد” ويبني جسوراً من الثقة مع مواطنين ربما لم يكونوا ليسمعوا به لولا هذه الوسائل.
في المقابل، هناك واقع آخر لا يمكن إغفاله. لا يزال عدد كبير من النواب البرلمانيين، خصوصاً من الأجيال الأكبر سناً، يحققون نجاحاً انتخابياً باهراً دون الحاجة إلى حساب واحد على وسائل التواصل الاجتماعي. هؤلاء يعتمدون على استراتيجية تقليدية أثبتت فعاليتها: العمل الميداني الدؤوب، والتواجد المستمر بين سكان الدائرة الانتخابية، وبناء علاقات شخصية متينة تجعل الناخبين “يصوتون عليهم بأعين مغمضة”.
من وجهة نظرهم، قد يبدو الانخراط في العالم الرقمي أمراً ثانوياً أو حتى “مزيفاً” (فيك)، حيث يُنظر إليه على أنه استعراض لا يعكس الجوهر الحقيقي للعمل السياسي. هذه النظرة لا تنبع بالضرورة من جهل بالتكنولوجيا، بل من ثقافة سياسية متجذرة تقدس التواصل المباشر وتعتبره المقياس الوحيد للمصداقية والالتزام.
شهدت الحملة الانتخابية لسنة 2021 نقطة تحول ملحوظة، حيث وظفت جميع الأحزاب السياسية تقريباً منصات التواصل الاجتماعي بشكل منهجي كجزء من استراتيجيتها للوصول إلى الناخبين. لقد أدركت المؤسسات الحزبية أهمية هذه الأدوات في حشد الدعم وإيصال رسائلها.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في استراتيجية الحزب، بل في الثقافة الشخصية للسياسي نفسه. فبينما يتبنى الحزب خطاباً رقمياً، قد يظل النائب البرلماني الفرد متمسكاً بأساليبه التقليدية، مما يخلق تبايناً واضحاً. فالثقافة الرقمية ليست قراراً يُتخذ، بل هي ممارسة وقناعة تحتاج إلى وقت لتترسخ.
إن الوضع الحالي يشبه المراحل الأولى لتبني أي تقنية جديدة، تماماً كما هو الحال مع الذكاء الاصطناعي اليوم الذي أصبحنا مضطرين للتعامل معه. فلكل شيء بداية. ورغم أن عدد النواب المنخرطين بفعالية في الفضاء الرقمي لا يزال قليلاً، إلا أن المؤشرات تدل على أن التغيير قادم لا محالة.
المستقبل لن يكون لمن يختار بين العمل الميداني والوجود الرقمي، بل لمن ينجح في الدمج بينهما؛ السياسي الذي يستطيع أن يترجم عمله الجاد على الأرض إلى محتوى جذاب ومقنع على الشاشة، ليخاطب بذلك ناخبيه التقليديين والجيل الرقمي في آن واحد. إنها رحلة تطور بطيئة، لكنها ضرورية لضمان بقاء السياسة متصلة بنبض المجتمع الذي تمثله.