تواجه مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، مرة أخرى شبح العطش الذي بات يهدد استقرار حياة سكانها مع اقتراب فصل الصيف.
ففي يوم الثلاثاء 27 ماي 2025، أعلن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE) عن “انخفاض مؤقت” في إنتاج المياه، مما شمل المدينة والمراكز المجاورة لها كالمرسى وفم الواد. هذا الإعلان، رغم طابعه المؤقت، أعاد إلى الأذهان معاناة متكررة، وأثار تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة مجرد حادث عابر أم أنها عرض لمشكلة بنيوية أعمق.
بحسب البلاغ الرسمي للمكتب، فإن سبب الاضطراب يعود إلى “عطب تقني يتطلب أشغالاً استعجالية” في محطة تحلية مياه البحر، مما أدى إلى تقليص الإنتاج بنسبة 25%. وأكد المكتب أنه عبأ فرقه التقنية لإصلاح العطب في مدة لا تتجاوز 30 ساعة، مع اتخاذ تدابير استثنائية لضمان توزيع عادل للمياه عبر برنامج تقنين مؤقت، شاكراً السكان على تفهمهم. تركز هذه الرواية على الطابع التقني والمؤقت للمشكلة، وتقدم تطمينات بقرب انفراجها.
على النقيض من التطمينات الرسمية، يرسم الواقع في شوارع العيون صورة أكثر قلقاً. فبالنسبة للعديد من السكان، هذا الانقطاع ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من أزمات المياه التي تتكرر سنوياً.
وتشير مصادر محلية إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل بدأت منذ شهر دون حلول جذرية، مع معاناة خاصة للأحياء الشرقية مثل الدويرات والأمل والعودة. كما يشتكي المواطنون من “شح المعلومات” وعدم إبلاغهم بشكل واضح ببرامج وجداول انقطاع المياه.
تتجسد الأزمة في أدق تفاصيل الحياة اليومية لسكان العيون. فالانقطاعات المتكررة تجبر الأسر على تغيير أنماط حياتها والبحث المضني عن الماء عبر الصهاريج أو نقاط التوزيع المؤقتة. وتزداد المعاناة في الأحياء المرتفعة أو البعيدة عن مركز الشبكة، حيث يؤثر ضعف الضغط على النظافة الشخصية والأعمال المنزلية والأنشطة الاقتصادية الصغيرة. ويزيد غياب التواصل الفعال من حالة الإرباك، ويترك المواطنين تحت رحمة الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
تتجاوز الأسباب الحقيقية للأزمة مجرد “عطب تقني”. إذ تشير أصابع الاتهام إلى مشاكل هيكلية أعمق، منها تقادم البنية التحتية لشبكة التوزيع، وعدم كفاية قدرة محطة التحلية لمواكبة النمو السكاني والعمراني المتسارع للمدينة. يضاف إلى ذلك تحديات التغير المناخي التي تزيد من حدة الجفاف، وتضع ضغطاً هائلاً على الموارد المائية المحدودة بطبيعتها في منطقة صحراوية.
أمام هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بحلول جذرية ومستدامة تتجاوز الإصلاحات المؤقتة. وتشمل هذه الحلول الاستثمار في توسعة وتحديث محطة تحلية مياه البحر لزيادة طاقتها الإنتاجية، وتأهيل شبكة التوزيع للحد من التسربات والهدر. كما يبرز دور الطاقات المتجددة كخيار استراتيجي لتشغيل محطات التحلية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، إلى جانب ضرورة تعزيز حملات التوعية لترشيد استهلاك هذه المادة الحيوية.